Tuesday, August 31, 2021

تحديات تواجهها النظم العربية

 

 تتيح الحرية الاقتصادية الفرص للجميع من خلال تذليل العقبات التي تقف في سبيل نجاح الفرد والمؤسسات. فالحرية الاقتصادية هي قدرة الافراد والاسر على اتخاذ قراراتهم الاقتصادية الخاصة والاستفادة من الفرص وريادة الاعمال بمنأى عن الحواجز التي تفرضها حكومات تفرط في استخدام القوة أو النخب الجشعة التي تتصرف من منطلق حماية هيمنتها الخاصة.

كثيراً ما تُحرم فئات في العالم العربي من إيجاد فرص عمل مجدية أو إنشاء مشاريع تجارية جديدة ومبتكرة بسبب البيروقراطية المرهقة والروتين الحكومي واللوائح التعسفية والقواعد المعقدة والفساد وغياب مبدأ سيادة القانون وبالتساوي على الجميع.

وأود أن أعود بنا هنا الى مسؤولية المؤسسات في الدول في تمكين الحريات الخمس التي أكد عليها الاقتصادي أمارتيا سين، الحائز على جائزة النوبل في الاقتصاد عام 1998، في كتابه Development as Freedom (التنمية كحرية) وهي: الحرية السياسية، الحرية الإقتصادية، والحرية الإجتماعية، والشفافية، والأمن والأمان.

فهذه المبادئ الهامة للتنمية تتردد كثيراً، وأحياناً دون اعطاء الاهمية اللازمة لترابطها مع بعضها البعض، فالحرية الاقتصادية مثلا لا بد وان تكون نتاج وجود هذه الحريات وتفاعلها معاً، لايجاد مجتمعات احتوائيةٍ بعيدة عن الاقصائية والريعية وتحكّم أصحاب المصالح الخاصة.

فالحرية الإقتصادية لدى أمارتيا سين تكمن في تواجد المرء في مجتمع يمنحه الفرصة للاستفادة من الممكنات التي يقدمها المجتمع من تدريب وخدمات صحية كفوءةٍ، وإتاحة الفرصة له لكي يوظف هذا التدريب دون تمييز اجتماعي لعرقه أو جنسه أو دينه أو مسقط رأسه، ودون تمييز سياسي مجتمعي يكبح من قدراته الإبداعية والإبتكارية، ودون غموض وفساد في المؤسسات والتشريعات والإجراءات، ودون تمييز في حق المواطن في التمثيل. كل هذه مجتمعةً تساعد في خلق حريةٍ اقتصاديةٍ حقيقيةٍ وتمكن الانسان من ان يعيش حياةً كريمةً خاليةً من الإضطهاد بشتى أنواعه.

وقبل التطرق الى الحرية الاقتصادية في الاردن دعونا نتناول شروخا تهدد البيئة الإقتصادية والسياسية في المنطقة:

أولاً: من الواضح هناك أزمة ثقة بين الحكومات والشعوب، وهي أزمة خطيرة تهدد ليس فقط النظم القائمة وبقاء الحال على ما هو عليه، بل تهدد أيضا أي جهود إصلاحيةـ  فحتى أفضل المبادرات أو القرارات الهادفة إلى إصلاح الوضع الاقتصادي أصبحت تُواجه من قبل الشعوب بالسلبية والسخرية والرفض، مما يعرقل افضل النوايا والتوجهات واكثرها مصداقية.

ثانياً: حيرة الحكومات بين سياسة الإبقاء على الوضع كما كان، وبين التغيير اللازم للتحديث والتغير نحو نموذج المجتمع التنموي والاقتصاد الانتاجي.

ثالثاً: تفكّك النظام الاقليمي الذي ساد في القرن الماضي نتيجة الارهاب، والاحتلال، والحروب الأهلية والعولمة، وانترنت الأشياء أو الثورة المعلوماتية.

رابعاً: استمرار القصور في الحريات بل وغيابها سياسياً وتعليمياً وضعف جهود تمكين المرأة.

خامساً: الإحباط لدى الشباب، والذي يشكل غالبية العرب، ويعاني من نسب بطالة تصل في المتوسط الى 30% كما ذكر التقرير.

سادساً: الترحيل أو التهجير البشري فمن أصل 360 مليون عربي تقريبا، يعيش 143 مليون عربي تحت وطأة الحرب أو الإحتلال، كما أن 17 مليون عربي أصبحوا مهجرين، ناهيك عن نسب الهجرة الطوعية والني تعتبر بين الأكثر في العالم.

سابعاً: تراجع الحريات بشكل عام مؤخراً بعد فترة انفراج بسيطة لم تدم طويلاً مع بداية الربيع العربي، عادت بعدها بعض النظم الى مستويات قمع للحريات قد تفوق في شدتها واتساعها فترة ما قبل الربيع العربي.

ثامناً: الإعتقاد بتغلغل الفساد، وهو أعتقاد، سواء كان حقيقياً او مزعوماً، فإنه أصبح يهيمن على الخطاب بين الحاكم والمحكوم في الكثير من الدول.

نعم كل هذه شروخات تواجه العقود الاجتماعية في المنطقة العربية بنسب مختلفة بين بلد وآخر.

وإذا قسمنا الدول العربية الى دول مصدرة للنفط وأخرى مستوردة له، نجد أن "عقد النفط الاجتماعي" والذي نظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم في الدول الريعية وشبه الريعية كالاردن مثلاً، اصبح عرضة لتقلبات الريع مع تذبذب أسعار النفط سواء في الدول المصدرة أم المستوردة، حيث درجت العادة في الدول المستوردة للنفط كالاردن ان تعتمد أيضاً على جزء من الريع النفطي من خلال المساعدات أو التشغيل لقواها العاملة ورأسمالها البشري والاسثمارات والتي تراجعت في مجموعها مؤخرا.

لذا لابد لنا جميعا من مراجعة عقد النفط الإجتماعي الريعي القائم على تقاسم الريع، والتوجه نحو اقتصاد إنتاجي تكون فيه الحرية الإقتصادية محور التنمية.

 

Sunday, August 29, 2021

ضانا وحفنة النحاس 29/08/2021

من الواضح أن الحكومة ترغب وتنوي السماح بتعدين النحاس في محمية ضانا الطبيعية، الأمر الذي يواجه معارضة من قبل الأفراد والمؤسسات في الأردن وخاصة أولئك المهتمون بالبيئة والمخضرمون الذين عاصروا الجهود الجبارة التي بُذلت على مدى سنين عدة لإعادة إحياء قرية ضانا.

وربما لكبح جماح المعارضة قامت الحكومة بنشر أرقام (قد تكون مبالغ فيها برأيي) حول الاحتياطيات المتوقعة والتدفقات النقدية المحتملة دون توضيح لتكاليف استخراج النحاس المتوقع في وقت شحت فيه موارد الدولة وعانى الاقتصاد ما عاناه من تراجع في النمو وارتفاعات غير مسبوقة في نسب البطالة والفقر في العهود الثلاثة الماضية.

الواقع أن ضانا تستحق العناء والحوار الوطني المحنك، وليس القائم فقط على حجم المخزون من النحاس. تبلغ مساحة "محمية ضانا للمحيط الحيوي" حوالي 300 كيلومتر مربع  داخل محافظة الطفيلة، إحدى أقل المحافظات حظاً في الأردن ويبلغ عدد السكان قرب المحمية حوالي 33.4 ألف نسمة يعملون في المناطق الشرقية والشمالية حول المحمية في الزراعة والرعي ويعتمدون بشكل أساسي على الوظائف الحكومية ووظائف مصانع الإسمنت والفوسفات والعمل في محمية ضانا.

يتميز المحيط الحيوي لمحمية ضانا بنوعية فريدة وأهمية حيوية على مستوى الأردن والعالم حيث يَعبر أربع مناطق جغرافية حيوية (البحر الأبيض المتوسط​​، الإيراني- الطوراني، الصحراوي العربي، والسوداني). وتعتبر محمية ضانا موطنًا لـ 833 نوع من النباتات (ثلث أنواع النباتات في الأردن)، و215 نوع من الطيور (50٪ من جميع أنواع الطيور في الأردن) وسبعة أنواع نباتية من ثلاثة عشر نوع من النباتات الموجودة في الأردن، و38 نوع من الثدييات (50٪ من الثدييات في الأردن). كما أن ثلاثة من الأنواع النباتية التي تعيش في محمية ضانا فريدة من نوعها لا يمكن العثور عليها إلا في هذه المحمية. وتعتبر المحمية موطناً لأنواع متعددة من الثدييات الآخذة في الانقراض. ولقد تلقت الجمعية الملكية لحماية الطبيعة في العام 1994 دعماً من "صندوق البيئة العالمي" للحفاظ على التنوع البيولوجي الفريد في محمية ضانا، فتم وضع أول خطة لإدارة المناطق المحمية في الأردن وجعلوا من محمية ضانا نموذجاً شاملاً للحفاظ المتكامل على البيئة والتنمية الاجتماعية والاقتصادية في الأردن. أيضا، وضعت اليونسكو محمية ضانا على اللائحة الواصية لمواقع الإرث العالمي.

لذا، من الطبيعي أن يكون لدى البعض، ومنهم الكاتب، تحفظات على صدور قرار من الحكومة بتحويل جزء منها يصل الى الثلث الى منطقة قابلة لنشاطات الصناعة الاستخراجية - أي تحويلها الى منجم نحاس. ومن ناحية أخرى، فإن أحد أسباب وجود الرغبة لدى البعض في تعدين النحاس الآن في محمية ضانا هو أن السعر العالمي للنحاس يبلغ حاليًا 6646 دينار أردني للطن، وهو أعلى مستوى على الإطلاق تقريبًا حيث ارتفع سعر النحاس بنسبة 25٪ للطن على سعره في العام 2010، كما أنه خمسة أضعاف ما كان عليه في مطلع القرن. ومن الجدير بالذكر أن تكلفة تعدين النحاس ارتفعت لتصل إلى 4277 دينار أردني للطن أو 65٪ من السعر الحالي، وأن سبب ارتفاع الأسعار هو رغبة العديد من الدول في التحول الى الاقتصاد الأخضر (ومن ضمنه تشجيع مشاريع مثل ضانا) بعد أزمة الكورونا وإعادة النشاط والحيوية الى اقتصاداتها، ومن ناحية أخرى تواجه الدول المعدنة للنحاس مثل شيلي وبيرو تيارا جامحا يطالب فيه السياسيون برفع رسوم التعدين وجعلها نسب مئوية وربطها بشكل تصاعدي مع أسعار النحاس بدلا من نسبة من الأرباح. ومع ارتفاع الطلب على الطاقة يتوقع أيضا ارتفاع كلفة الطاقة ولذلك فمن الذكاء بمكان الأخذ بعين الاعتبار بأن تكاليف الإنتاج سترتفع أيضا، وخاصة بالنسبة لدولة كالأردن ترتفع فيها كلفة الطاقة. ومن الضروري أن يلاحظ صاحب القرار أن أسعار النحاس تتذبذب وكذلك تكلفته لكي لا يقع الأردن في مطبات شبيهة بعقود بيع الكهرباء، وأجور التعدين، وغيرها.

تتضاءل أهمية حقيقة وجود الاحتياطيات التجارية من النحاس عند مقارنتها بالتعقيدات المحيطة بمثل هذا المشروع. ففي ظل فترة 20 عامًا من التنقيب، قد يعود السعر إلى مستوياته المنخفضة السابقة مما سيجعله غير مجدي اقتصاديا بعد خراب ضانا وفقدانها وفقدان كنوزها الطبيعية والثقافية الى الأبد. قد يتم هيكلة حصة الحكومة من دخل النحاس بحيث تتضخم لاحقًا بدلا من السنوات الأولى، مما يقلل من قيمة التدفقات الحالية فأن يعدك أحدهم بمائة دينار بعد 20 عام يساوي أن يعطيك أحدهم الآن 20 دينار؛ وقد ترتفع التكاليف بشكل كبير أيضا مما يجعل العائد مستحيلا ويتوقف الإنتاج كليا، فنفقد الدخل ونفقد ضانا--لاحظ أن قصة نحاس ضانا قديمة جدا ولم يكن أي مستثمر مهتم بها حين كان سعر النحاس منخفضا. وقد تتلوث موارد المياه حيث يعتبر تعدين النحاس من الصناعات القذرة، وتعتبر المياه أول ضحية لهذه الصناعة، ليصبح بلد فقير بالمياه كالأردن أكثر فقرًا مع تدمير البيئة في المحمية تماماً لتنتقل الخسارة من جيل لآخر ويذري التفكير الآني كل الأعمال الجميلة الحذقة التي تم القيام بها على مر سنين فتضيع ضانا في وعاء من النحاس.

علاوة على ذلك، ينبغي تقييم قضايا مثل الحوكمة والروابط مع بقية الاقتصاد وقطاعاته لضمان انتشار الفوائد واستدامتها. كما يجب أن تكون هناك مقارنة بين الأرباح (المالية والاقتصادية) من تدفقات الدخل من تعدين النحاس وتلك من وجود محمية ضانا حين تكون مدعمة لتعمل بكامل طاقتها. وكما هو الحال في العديد من البلدان النامية الأخرى، لا ينبغي على المرء أن يتسرع في مشروع تعدين دون تقييم الآثار الاجتماعية والاقتصادية والأضرار البيئية، لا سيما بالنظر إلى أنه سيؤثر بشكل مباشر على المحمية. يجب معالجة السياسات والبرامج التي تعزز القيمة المضافة لتعدين النحاس بالإضافة إلى أنشطة التعدين الأخرى على مستوى المجتمع المحلي والإقليمي والوطني. يجب أن يكون تطوير القدرات البشرية والمؤسسية في المجتمعات المضيفة للاستفادة من ذلك من بين أولويات عملية التفاوض.

لذا، يجب أن تتم عملية التفاوض من قبل محترفين لديهم خبرة هائلة في هذا الموضوع. و يجب خصم أي مدفوعات مستقبلية إلى الوقت الحاضر لتحديد قيمتها الحالية. وأن تخضع جميع العقود لموافقة مجلس النواب. بعبارة أخرى، لكي يساهم هذا المشروع في زيادة الإيرادات الضريبية وعائدات التصدير وفرص العمل وتطوير البنية التحتية ونقل التكنولوجيا، فإن عملية شفافة وتنافسية ضرورية ولكنها ليست كافية، تتطلب مثل هذه العملية وجود مستشار فني محايد. فلماذا لا تُطلب المساعدة الفنية من هيئة محايدة مثل البنك الدولي، والذي قدم المساعدة الفنية في 24 دولة لـ 41 قطاع تعدين منذ عام 1988.

إن تلقي المشورة والنصيحة اللازمة نظرًا لقدرات القطاع العام الحالية والتهديد الذي يواجه محمية ضانا للمحيط الحيوي أمر بالغ الأهمية في الوقت الحالي. دعونا لا نتسرع هذه المرة، فالحلول السهلة ليست بالضرورة الحلول الصحيحة.

Tuesday, August 17, 2021

Let Dana Prosper...An old Article on Dana 17/12/2005

Have you visited Dana lately? Please do before they turn it into a copper bowl. In fact, if you have ever been bewildered by Jordan's biggest walnut tree fed by five fresh water springs, do go and set under it, enjoy its shade and become bewildered by the majestic branches of this living organism to the hand of time, ever resistant and fruitful. You may even visit one of the many development projects that turned the produce of Dana into fine jewelry or hand made products in tastefully designed containers that commemorate the history of this land and the will of its people. Stay at hotel that respects the nature and land of Jordan and taste truly Jordanian cuisine made by the hands of women that feed the same to their children. Please do it this Christmas before greed, ever the nemesis of Dana, tries to destroy this beautiful nature reserve and turn it into a copper mine.

Dana had seen many hard times. Decades of low income and the harshness of life drove most of its inhabitants away. By the time a group of Jordanians, headed by the late great industrialist and even greater environmentalist Anis Mouasher, drew national attention to its beauty and possibilities, only five households had remained. After years of diligent work, crafts and homemade industries were created, a brand name emerged, and natives returned to flourish the land that was once forgotten. Nature friendly development and value added was the name of the game in this habitat were three types of plants, previously unknown to science, were discovered in the mid 1990s. Dana became a destination for Jordanians and expatriates who wanted to see the valley where a person could walk through three climates in less than half an hour.  Backpackers and others camped there and enjoyed the beautiful walking trails of Dana.

 

A combination of ingenuity, vision, will and a genuine love for the land combined to produce a Dana that for some time was a major contributor to Jordan's tourism industry—an industry that is estimated to contribute US$1.5 billion this year in revenues to the GDP. It ranked there with Petra and the Dead Sea as tourism attractions. It brought a new kind of tourism to Jordan: nature tourism. All revenues from tourism proceeds to Dana went to Jordanians, particularly its inhabitants, very little of the value added there was exported to purchase fineries for tourists as in other sites. Proceeds from Dana stayed in Jordan and had a higher multiplier than most tourism projects. Dana became an engine for growth!

 Recently, a decade old study has resurfaced calling for the demise of what years of hard work had gone into simply for a few copper coins. Dana, which once bordered King Solomon's copper mines, contains significant reserves of copper valued at US$1,750 million to be extracted over a period of 20 years with estimated direct and indirect proceeds to the government of US$700 million or US$35 million per year—the rest (US$1050 million) will most likely go to the mining firm. Proponents of this study want to extrapolate one fifth of the lands of Dana, convert it into a copper mine site and, possibly destroy Jordan's topmost nature reserve, a reserve that had drawn in admirers from all over the globe and provided a decent living to its returned inhabitants. But Dana, if it were to reach its potential, could bring the government and Jordan much more than dirty copper. With more value added and continued vigor Jordan could reap tenfold per year what the copper mines promise.

Alas, this not the first time that a quick-buck mentality endangers the fruits of years of solid partnership and work; other mines bordering Dana attempted in the late 1990s to infringe upon its borders. Public uproar and Jordan Society for the Preservation of Nature stopped the shovels from caving in its outer rim. The diggers backed off in the last minute and left the scene to the hands that preserve, toil and cultivate beauty.

 If you cannot make Dana better, please leave it alone. Mining industries will not develop Jordan. Oil, which is now considered the "Black Curse" of the Gulf, was a detriment to the economic development of the oil rich Arab countries. Concomitantly, the Dubai development model, which not only made the desert bloom but also reclaimed the sea, is considered nowadays the model to follow.

Pray with me this Christmas that Dana remains a Jordanian success and not a testimony to what the hand of greed can do. At least go set below the walnut tree and ask yourself how many years it took for this manifestation of beauty and greatness to grow and how many minutes it would take to kill it. Or else, just tell them to leave Dana alone. 

 

 

Tuesday, July 27, 2021

ماذا عن العقبة؟ 27 7 2021

يعتقد الكثيرون أن عاصفة الانتقادات لمنطقة العقبة الاقتصادية الخاصة وسلطتها لم تتشكل إلا مؤخرًا، وهذا بعيد كل البعد عن الحقيقة، فالرفض لمبدئها والاعتقاد بفشلها وعدم الإيمان بمفهومها ومزاياها امتد منذ أكثر من عقدين من الزمن. كما أن اللوم لا يقع بأكمله على عاتق سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة بل يجب أن يتكبد جزء كبير منه المؤسسات الحكومية وتشريعاتها الناظمة واجراءاتها.

بدأت منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة الممتدة على مساحة 375 كيلومتر مربع كمنارة تقدم أفضل الممارسات ليُقتدى بها في كافة الأردن. فكان من المفترض أن يكون لخفض الإجراءات البيروقراطية والضرائب والرسوم على الإنتاج والاستهلاك قصص نجاح تستفيد منها البلد ككل فيتم توسيع الممارسة لاحقا بعد اكتساب الخبرة والوقوف على ثمارها. ومع ذلك، ومنذ البداية، اشتكى المشككون من أن تخفيض الجمارك والرسوم والضرائب سيؤثر سلبًا على دخل الحكومة المركزية وبالتالي بدأوا في ابتكار رسوم وطرق أخرى لمواجهة ما اعتقدوا أن له أثر مالي سلبي ونجحوا على مر السنين في إضعاف مفهوم وفعالية منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة.

لا يمكن أن تفلت منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة من كونها جزء من المنظومة الكلية للبلد فالعديد من النصوص التشريعية التي تحكم المنطقة هي تلك الخاصة ببقية الأردن. على سبيل المثال، تحكم المنطقة الخاصة تشريعات المياه وتنظيم الأراضي والعقار التي تخضع لها باقي أنحاء المملكة. ومن ثم، فإن المستثمر الذي يحتاج مصنعه لمصدر مياه رخيصة الكلفة غير صالحة للشرب (غير معالجة) لاستخدامها بكميات كبيرة في صناعته لا يستطيع حفر بئر يجتر مياه البحر رغم كونه بجانب البحر لأن المياه النظيفة متاحة من قبل وزارة المياه وشبكاتها- وهو تشريع يتم تطبيقه في جميع أنحاء المملكة. مثال آخر فإن محاولة تحويل مصابيح الشوارع في منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة الى مصابيح موفرة للطاقة أمر خاضع لموافقة وزارة الطاقة وليس سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة. أيضا، تخضع منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة لرسوم وقواعد تنظيم الأراضي والمباني في باقي المملكة رغم أن المنطقة تحتوي مشارع عملاقة قام أصحابها بتطوير البنى التحتية (شوارع، كهرباء، مياه، حدائق عامة، شبكيات صرف صحي، الخ) داخل مشاريعهم العملاقة على نفقتهم الخاصة دون أي كلفة للحكومة. حتى الوصول (وصعوبته) إلى منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة يتعرّض للعراقيل لكون طرق السير خارج إطار وحدود المنطقة غير مصانة وعقبات أخرى يفرضها تدني كفاءة الكل. وبالتالي كان ولا يزال على منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة أن تعاني ليس فقط من التحديات الداخلية وهي كثيرة ولكن من تحديات خارجية يعانيها الأردن ككل.

أيضًا، بعد عقدين من الزمن، ظلت السياحة الداخلية والوصول إلى العقبة أقل من الممكن حيث لا يمكن قطع مسافة 320 كم (من عمان للعقبة) إلا من خلال شبكة الطرق العامة وبالسيارة أو الباص في بلد ترتفع فيه أسعار الوقود والمركبات بسبب الجمارك المرتفعة التي تصل الى 140% من قيمة السيارة. الوسيلة الأخرى الوحيدة للوصول إلى العقبة هي من خلال الطيران وحسب جداول رحلات مُروّعة حيث تقلع الطائرة في الساعة 6:45 صباحًا، وهو وقت بالكاد مريح، وإذا حجز السائح غرفة في فندق فلن يتمكن من استخدامها في الغرفة حتى منتصف النهار، مما يعني التسكع في ردهة الفندق من الساعة 7:30 صباحا حتى منتصف النهار. تتأخر رحلة العودة أيضًا، ليكون الشخص بلا مأوى بين الساعة 12 صباحًا و 8 مساءً لأنه سيكون قد سلّم غرفة الفندق لينتظر رحلة العودة بعد ثماني ساعات. لقد تحسنت الرحلات الجوية من العقبة وإليها في السنوات الأخيرة، ولكن بشكل طفيف فقط، وكان الحل البسيط لهذه الرحلات هو زيادة اعدادها، وتشجيع المزيد من السياحة المحلية والأجنبية.

داخليًا، لا يزال استقلال وأداء سلطة منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة يعتمدان على نفوذ وسلطة الأشخاص الموجودين على رأسها، وليس قوة المؤسسة والسياسات والإجراءات. حتى التوظيف في السلطة اتبع نموذج بقية البلاد فأنشأ منظمة قطاع عام متخمة بالموظفين مثل غالبية أجهزة الحكومة.

كما أن الوعود المبالغ فيها من قبل بعض المسؤولين في المنطقة لم تساعد على تحسين المصداقية أيضًا حين بالغ بعض المسؤولين في حجم تدفقات الاستثمار. فعلى سبيل المثال، تجاهل بعض المدراء التنفيذيين حين مخاطبة الاعلام أن اتفاقية استثمار بقيمة 10 مليارات دينار أردني كانوا قد وقعوا عليها للتو لن تصب جميع أموالها في الأردن فورا أو حتى في ذات السنة، ولكن سيكون انفاقها على مدى بضع سنوات. أدت هذه الممارسة وتكرارها وغيرها في مناسبات عديدة إلى فقدان الثقة في التصريحات والوعود الرسمية العامة وبالتالي الى التقليل من مصداقية التجربة ككل.

هناك العديد من النقاط المتعلقة بنجاحات وإخفاقات منطقة العقبة الاقتصادية وسلطتها. والأهم من ذلك، أن منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة بحاجة إلى الإصلاح وليس الاستغناء عنها كليا!

Monday, July 26, 2021

What about Aqaba Jordan Times 11 July 2021

 Many believe that the storm of criticism directed at the Aqaba Special Economic Zone (ASEZ) and the ASEZ Authority (ASEZA) was only recently brewed. This is far from the truth, as the negations and accusations in addition to non-belief in its concept and merit have by now spanned over two decades. Moreover, not all the blame rests with ASEZA, a sizeable portion of it should engulf the sphere of public policy in Jordan. 

ASEZ, an area of 375km², was started as a beacon of best practice whose policies; its practices and institutions should have been a guiding light for the rest of Jordan. It was within ASEZ that reduced red tape and taxes and fees on production and consumption should have proven so successful that the rest of the country would follow. Yet, and from inception, doubters complained that the reduced customs, fees and taxes would negatively affect the income of the central government, and, thus, they started to invent other fees and ways to counter what they believed was a negative, not a positive, impact; and, in many respects, they succeeded over the years to ultimately weaken the concept of ASEZ. 

ASEZ could not escape being part of the whole. Many of the legislative pieces that governed the zone were those of the rest of the country. For example, it is governed by the water and zoning legislation that is applied within the remainder of the country. Hence, an investor whose factory needed brackish water could not drill a water well near the Red Sea to garner a cheap supply of water since clean water was already availed by the Ministry of Water — a stipulation that is applied all over Jordan; having LED lights in the streets of ASEZ to save energy, a best practice, had to be approved by the Ministry of Energy not by ASEZA; land and building zoning fees were governed by the zoning laws of the rest of Jordan even though ASEZ was the only master planned developed area in Jordan and many of the investors in it had borne the cost of the development of the infrastructure within their megaprojects; even reaching ASEZ was hampered by badly maintained roads that were outside its own mandate; and many other obstacles necessitated by the incompetence of the whole. ASEZ thus had to suffer not only because of internal challenges, which were many, but by external challenges that permeated the rest of the country.

Also, after two decades, domestic tourism and reach remained below potential. A distance of 320km can only be crossed by automotive means. A common joke in the country is that Jordan has two seas, one is dead and the other one you die trying to get to; albeit funny, it is a sad and brief description of the modus operandi. The only other means to reach Aqaba was through the use of airplanes. But the flight schedules were horrendous. The plane takes off at 6:45am, hardly a comfortable time, and if a tourist had booked a room at a hotel he would not be able to use in the room until mid-day, which meant lounging around the lobby from 7:30am until midday. The flight back was also late, and the person would be homeless between 12am and 8pm as he would have checked out of the hotel room but the only flight back was eight hours later. Flights to and from Aqaba have improved in recent years, but only slightly, and a simple solution to these flights would have been to increase their frequency, and encourage greater domestic and foreign tourism.

Internally, the independence and performance of ASEZA remains also dependent on the clout and power of the persons at its helm, not the strength of its institutions (policies, institutions and procedures). Even the staffing of ASEZA followed the model of the rest of the country to create a bloated public sector entity like the rest of the government.  

Overpromises by some past officials at ASEZA did not help matters either. Some of the officials would exaggerate, knowingly or otherwise, the size of the investment inflows. For example, some of the executives ignored telling people that a JD10 billion investment agreement that they had just signed would not pour all the money into Jordan immediately or that year but would be invested in tranches and over several years, depending on the development of the infra and supra structure necessary. This practice led on many occasions, to lose faith in public official statements and promises. 

The points related to a proper discussion of the successes and failures of ASEZ and ASEZA are many. One could point out many internal and external deficits that need to be addressed. Most importantly, ASEZ and ASEZA need fixing, not axing!

Sunday, July 4, 2021

هل نما الاقتصاد حقًا في عام 2021؟ 4 7 2021

 

أعلنت دائرة الإحصاءات العامة الأردنية الأسبوع الماضي أن الناتج المحلي الإجمالي (بالأسعار الثابتة) نما في الربع الأول من عام 2021 بنسبة 0.3 في المائة مقارنة بالربع الأول من عام 2020. رغم أنه معدل نمو إيجابي، إلا أنه نمو هزيل. علاوة على ذلك، فإن مراجعة سريعة لمصادر النمو لا تُبين فقط نظرة قاتمة إلى حد ما للاقتصاد، ولكنها تثبت أيضًا الحاجة الملحة للتفكير بما يجب أن يفعله صُنّاع القرار الاقتصادي.

فقد انخفضت مساهمات العديد من القطاعات الاقتصادية في الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول من عام 2021. وهذه القطاعات هي: التصنيع والكهرباء والمياه والبناء وتجارة الجملة وتجارة التجزئة والمطاعم والفنادق والنقل والتخزين والاتصالات والخدمات الاجتماعية والشخصية. لاحظ أن غالبية هذه تتعلق بالإنتاج (الاقتصاد الحقيقي)، وتشكل 47 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

ومن ناحية أخرى، كانت القطاعات التي شهدت نموًا في الربع الأول من عام 2021 هي الزراعة والمحاجر والتمويل والتأمين والخدمات الحكومية وصافي الضرائب وتكلفة الخدمات الحكومية. الجهات الفاعلة البارزة بين هذه القطاعات هي الخدمات الحكومية والضرائب التي تشكل 36 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. لذلك، نستنتج أن القطاع الخاص تضرر خلال هذه الفترة.

هناك مشكلة أخرى يجب التنبيه إليها وهي أن النمو في عام 2021 يعتمد على سنة مرجعية (2020) عانت من تدهور اقتصادي كبير. في الواقع، كان معدل النمو في الربع الأول من عام 2020، قبل إغلاق الاقتصاد مباشرة، 1.3 في المائة وانتهى العام بمعدل نمو سالب قدره 1.6 في المائة. بعبارة أخرى، يعد الرجوع إلى عام 2020 إشكاليًا من حيث استخلاص النتائج. وبالتالي، وبناءً على معدل النمو الضئيل هذا، وهو الأدنى منذ 20 عامًا (باستثناء 2020 طبعا)، لا توجد مسببات للاحتفال أو التبشير بمستقبل قريب مزدهر حتى الآن!

ولكن هذه ليست القصة كلها! فمن أجل حساب التغير في الدخل الحقيقي للفرد، متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي للفرد الذي يعيش في الأردن، يقوم الاقتصاديون عادة بخصم أو طرح معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي من معدل نمو السكان، والذي بلغ بالمتوسط 2.5٪ في الأردن على مدى السنوات الخمس الماضية. تظهر عملية حسابية سريعة (2.5 في المائة ناقص 0.3 في المائة) أن دخل الفرد في الأردن قد انخفض بنسبة 2.2 في المائة في الربع الأول من عام 2021.

المراسيم الدفاعية الأخيرة التي أصدرتها الحكومة في الأسبوع الماضي والتي تعد بمزيد من التخفيف للقيود المفروضة على الحركة والأنشطة الاقتصادية، وتُقدّم بعض الإعفاءات من الضرائب والتنازل عن بعض غرامات التأخر في الدفع، نلاحظ أن بعض هذه الإعفاءات كانت موجودة بالفعل قبل المراسيم الدفاعية الأخيرة. وفي حين أن مثل هذه التحركات موضع ترحيب، إلا أنها ليست كافية. فمن القواعد والمبادئ المعروفة في علم الاقتصاد أن الإعفاءات والإجازات الضريبية لها تأثير أضعف على الاقتصاد من الأداة المالية البديلة وهي زيادة الإنفاق الحكومي. ومن ثم، فإن الأثر على نمو الاقتصاد سيكون ضعيفا. وهذا يعني أيضًا أن أي نمو في الأشهر المقبلة من هذا العام والسنوات التالية سيعتمد على القطاع الخاص وحده، والذي عانى بالفعل كما تظهر البيانات.

محصّلة كل هذا أن النمو الحالي ضعيف على المستوى الكلي، وسالب بالنسبة لدخل الفرد، كما أن الحلول التي تقدمها الحكومة، حتى وإن كانت في الاتجاه الصحيح بشكل عام، فإنها ضعيفة! يعلم الجميع ما هو الصواب وما يجب فعله لإعادة النمو، لذا يجب أن ينصب تركيز الجميع، (الحكومة والمُحلّلين) على النمو الآن. دعونا لا ننتظر طويلا!

Did the economy really grow in 2021? Jul 03,2021

 The Jordan Department of Statistics announced last week that the GDP (in fixed prices) grew in the first quarter of 2021 by 0.3 per cent relative to the first quarter of 2021. Albeit it is a positive rate of growth, it is meagre. Furthermore, a quick review of the sources of the growth not only shows a somewhat bleaker view of the economy but also underscores the need for policymakers to go back to the drafting board.

The contributions of several economic sectors to the GDP have declined in the first quarter of 2021. These sectors were: manufacturing, electricity and water, construction, wholesale, retail trade, restaurants and hotels, transport, storage and communication, and social and personal services.  Note that the majority of these relate to production and the real economy, and makeup 47 per cent of the GDP. 

On the other hand, the sectors that witnessed growth in the first quarter of 2021 were agriculture, quarrying, finance and insurance, government services, net taxes and calculated service cost. The prominent players among the sectors are government services and taxes which make up 36 per cent of the GDP. Therefore, one should immediately surmise that the private sector is definitely hurting during the period. 

Another problem, which all should be alerted to is that the growth in 2021 is based on a reference year that suffered a significant economic decline. In fact, the growth rate in the first quarter of 2020, just before the closure of the economy, was 1.3 per cent and the year ended at a negative growth rate of 1.6 per cent. In other words, referencing 2020 is problematic in terms of deriving conclusions. Hence, and based on this tiny growth rate, which is the lowest in 20 years (excluding 2020) there is no cause to celebrate yet!

But this is not the whole story! In order to calculate the change in the real income per capita, average share of the GDP of a person living in Jordan, economists deduct the rate of growth in the real GDP from the growth rate of the population, which averaged close to 2.5 per cent in Jordan over the last five years. A quick calculation (2.5 per cent minus 0.3 per cent) shows that the per capita income in Jordan has declined by 2.2 per cent in the first quarter of 2021. 

Fast forward to the recent defence ordinances which were issued by the government last week heralding further easement of restrictions on movement and economic activities, and offering some exemptions on taxes and waivers of some penalties, note that some of these waivers were already in place before the recent ordinances. While such moves are welcome, they are not enough. It is a well-known rule in economics that tax exemptions and tax holidays have a weaker impact on the economy than the alternative fiscal tool of increasing government spending. Hence, the effect on the growth of the economic ordinances will be lukewarm. This also means that any growth in the coming months this year and the years that follow will be rooted in, and caused and motivated by the private sector alone, which has already suffered as the recent data show.

The upshot of all this is that the current growth is anaemic, and negative in terms of per capita income, and the solutions being offered by the government, even though in an almost correct direction, are feeble!  Everyone knows what is right and what should be done to bring back growth. The focus of all, government and pundits, should be on growth now. Let’s not wait too long!  

https://www.jordantimes.com/opinion/yusuf-mansur/did-economy-really-grow-2021


Thursday, July 1, 2021

فرصة ضائعة: مساهمة اللاجئات السوريات العاملات في الاقتصاد الأردني 2020

 دراسة انجزتها مؤخرا، لقراءتها وتحميلها أرجو استخدام الرابط أدناه


 https://tamkeen-jo.org/upload/web_Syrian_workers_AR.pdf

Wednesday, June 30, 2021

Lost Opportunity The Status of Syrian Women Refugees in the Jordanian Labour Market and their Contribution

 https://tamkeen-jo.org/upload/Lost_Opportunity%20%281%29.pdf

تشوهات في التمويل 29 6 2021

 

يُظهر تمحيص سريع في النسب المئوية للقروض التي تقدمها البنوك الخاصة للصناعة بشكل عام في الأردن من كافة القروض الممنوحة أنها بلغت في المتوسط 12.6٪ خلال 2019-2020، وهي نسبة منخفضة جدا بالمقارنة مع قروض البناء (25.7٪) والأفراد (21.7٪). بمعنى آخر، تتلقى الصناعة حوالي نصف مقدار الائتمان الذي تحصل عليه هاتان المجموعتان من البنوك الخاصة.

وبينما لا ينكر أحد الدور الهام الذي تقوم به البنوك في دعم المسيرة التنموية لأي بلد، يبدو أن البنوك الخاصة في الأردن تنحاز نحو إقراض قطاع الإنشاءات والأنشطة غير المنتجة مثل القروض الفردية، والتي عادة ما تكون موجهة نحو الاستهلاك، بدلا من إقراض وتمويل الصناعة والابتكار، وهي أنشطة تدعم تنمية الاقتصاد الوطني بل هي الأساس.

لتصحيح هذا الوضع، هناك دور هام للجهات التنظيمية والدولة بكافة أجهزتها في تعزيز مسيرة الأردن التنموية لسبر غور هذا الفراغ الجلل. ولكن قبل الحديث عن هذا الدور، لماذا الصناعة مهمة بل لماذا تعتبر الأهم؟ يُظهر التاريخ أن الدول التي تعمل على تحسين قطاعاتها الصناعية تنمو بشكل أسرع من غيرها، حيث يُمكّن النمو الصناعي من خلق المزيد من الوظائف، وزيادة الدخل، وإدخال التطورات والابتكارات التي تزيد من الإنتاجية والقدرة التنافسية للبلد. كما تحقق الدول التي تتدخل لتحريك الصناعات نحو إنتاج ذي قيمة مضافة عالية إلى تحقيق مكاسب أكبر من تلك التي لا تُعنى استراتيجيا بدعم وتمويل أنشطة التطوير في صناعاتها.

صحيح أن الشركات الخاصة في الاقتصادات المتقدمة تقوم بالجزء الأكبر من البحث والتطوير (R & D). ومع ذلك، فمن الصحيح أيضًا أنها تتلقى دعمًا كبيرًا من القطاع العام. ففي سنغافورة، يأتي 60٪ من الإنفاق على البحث والتطوير من القطاع الخاص، و تبلغ النسبة 78٪ في كوريا الجنوبية (الاقتصاد الأكثر ابتكارًا في العالم)، ويأتي ، 72٪ من الاستثمار في البحث والتطوير في الولايات المتحدة من القطاع الخاص والباقي من الحكومة. علاوة على ذلك، يوفر القطاع العام في هذه الدول البنية المؤسسية الداعمة للبحث والتطوير. كما تمول الحكومات مختبرات العلوم والبحوث الأساسية، ويتم دعم البحوث في الجامعات من خلال المال العام، بينما تضمن حقوق الاحتكار ولبراءات الاختراع لتمكين مكافأة صانعي الابتكارات.

لماذا تفضل البنوك في الأردن تقديم الائتمان لأنشطة البناء وأنشطة الاستهلاك لدى الأفراد بدلاً من الصناعة؟ الجواب متعدد الأوجه. إن قرار منح قرض لشخص ما لبناء منزل أو مجمّع يرتكز على ممارسة بسيطة وغير معقدة، إذ يرسل البنك مُقيّما معتمدا لديه ليقدم تقديرًا حول قيمة العقار، ويقرض المدين نسبة من هذه القيمة شريطة تملك البنك للعقار لحين سداد القرض بالكامل. بالنسبة لمنح الائتمان للأفراد، فإن كان الشخص يعمل لدى الحكومة أو شركة كبيرة، يتم تحويل راتب الشخص من صاحب العمل إلى البنك ويتم خصم جزء منه شهريا لحين سداد القرض. عملية الإقراض لإنشاء عقار أو للاستهلاك الفردي أقل تعقيدًا من حيث التفاوض على القرض من المقترض الصناعي، ومن المرجح أن يقبل سعر فائدة أعلى من تلك التي يقبلها المقترض الصناعي، كما أن القروض للصناعة تخضع لمخاطر أكبر من تلك التي تنجم عن الإقراض للبناء أو الاستهلاك.

ولكن الصناعة هي أساس الاقتصاد الحقيقي أو الإنتاج الحقيقي الذي يعتبر ركيزة التنمية الأهم. نعم، تميل البنوك إلى اعتبار القروض المقدمة إلى الصناعة أكثر خطورة من أنواع القروض الأخرى بسبب مجموعة من المخاطر، كما ان المشروع الصناعي أكثر تعقيدًا من الأنشطة الأخرى، وقد يتطلب خبرات فنية متخصصة لتقييمه، وتتطلب المشاريع الصناعية عدة سنوات لتبدأ بتحقيق نقطة التعادل أو الربحية.

يعتبر تفضيل البناء على الصناعة في التمويل ظاهرة عالمية، وهذا هو السبب في أن المنظمين يضعون سياسات لتشجيع البنوك الخاصة على إقراض الصناعة كما تمكن الدول الصناعيين من الاستفادة من بنوك الاستثمار الحكومية لمساعدة الصناعة على إدخال التقنيات وما تحققه من الفرص الاقتصادية الجديدة. تشمل سياسات وتدابير الدولة الائتمان المعاكس للدورة الاقتصادية، والأموال للحاق بالركب، والتمويل طويل الأجل، والتمويل القائم على الابتكار، وما إلى ذلك، في جميع أنحاء العالم. البنوك الأربعة الأكثر نشاطًا في هذا المجال هي بنك التنمية الصيني، و KfW الألماني، وبنك الاستثمار الأوروبي (EIB) و BNDES البرازيلية.

للأسف، تواجه الصناعة في الأردن تحديًا مزدوجًا يتمثل في الافتقار إلى دعم/ رعاية الدولة وغياب الأنظمة التي تدفع البنوك الخاصة نحو تمويل المشاريع الصناعية. كان هنالك بنك واحد ترعاه الدولة ليقدم القروض للصناعة بشكل تفضيلي، وهو بنك التنمية الصناعية الأردني (JIDB) الذي تأسس عام 1965 بمساعدة البنك الدولي، ولكن تم بيعه وتغيير صفته في عام 2010.

يجب أن تركز الحكومة في سعيها لإصلاح الاقتصاد وجعله أقل اعتمادًا على المساعدات وتعزيز قدراته التنافسية على إدخال السياسات والإجراءات والتدابير التي تهدف إلى زيادة إنتاج القيمة المضافة وزيادة الإنتاجية من خلال الابتكار وزيادة الإنفاق على البحث والتطوير. دعونا لا ننتظر طويلا!

Monday, June 21, 2021

لكي تستعيد الحكومة الثقة 20 6 2021

 


تتزايد وتيرة انعدام الثقة العامة بالحكومة في الأردن منذ عدة سنوات. هنالك سببان رئيسان لعدم الثقة هذه: أولهما أن السياسات التي شرعت بها الحكومات لم تتمكن من أن تحسن رفاه المواطنين، والثاني هو غياب المتابعة والتقييم لتنفيذ المبادرات الطموحة من قبل الحكومات المتتالية. ويؤدي انعدام الثقة بالحكومة إلى تلكؤ في صياغة وتنفيذ السياسات المناسبة سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية لأن انتشار عدم الثقة يخلق جواً من السلبية وعدم اليقين مما لا يساعد على جلب الانتعاش الاقتصادي المطلوب. باختصار، هناك حاجة ملحة لإعادة الثقة في الحكومة.

لم تساعد الإجراءات الأخيرة التي اتخذها القطاع العام في إخماد انعدام الثقة المنتشر على نطاق واسع في الأردن. بل على العكس من ذلك، فقد أثارت بعض هذه الإجراءات العديد من الاحتجاجات داخليًا مما أدى إلى تعديلات وتغييرات حكومية متتابعة، ورسخ الشعور بالظلم والتظلم من عدم وجود إصلاحات على الرغم من العديد من برامج وخطط الإصلاح على الورق، وترددت الحكومات وتراجعت ودخلت أحياناً في شلل دائم بالنسبة للإصلاح (ولا أقصد هنا الإصلاح كما يراه صندوق النقد الدولي). علاوة على ذلك، فإن انعدام الثقة تُرجم إلى تراجع ترتيب الأردن في المؤشرات الهامة، حيث تراجع موقع الأردن في المؤشر العالمي حول الفساد لمنظمة الشفافية الدولية من 45 في عام 2015 إلى 60 في عام 2020، وتم تخفيض ترتيب الأردن من "حر جزئيًا" إلى "غير حر" في مؤشر بيت الحرية في عام 2021.

لم تؤدي ردود فعل الحكومة وأوامر الدفاع وإجراءاتها بالنسبة لفيروس الكورونا المستجد إلى تحسين الأمور أيضًا. أدى تدهور الأوضاع الاقتصادية بسبب عمليات الإغلاق الصارمة وحظر التجول والافتقار الواضح لنموذج شامل وعدم الاستعداد للتعامل مع الآثار الصحية والاقتصادية لـ COVID-19 خلال عام 2020 وحتى عام 2021 إلى تكثيف المطالبات بالإصلاح السياسي والاقتصادي، وهي مطالبات مشروعة كما تظهر البيانات الاقتصادية، فقد تقلص حجم الاقتصاد بنسبة 1.6٪ في عام 2020، وارتفعت البطالة إلى 24.7٪ في الربع الرابع من عام 2020 (واحد من كل شابين عاطل عن العمل؛ والأسوأ من ذلك، أن 75٪ من حاملي الشهادات عاطلون عن العمل)، وارتفع دين الحكومة المركزية من 97.4% بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي في عام 2019 إلى 111% في عام 2020 - لاحظ أن قطاع الكهرباء تسبب ب 20٪ من الدين العام، وهو قطاع تخلت فيه السياسات الحكومية من أي محتوى اقتصادي. علاوة على ذلك، جاء هذا التدهور الاقتصادي على خلفية ركود استمر عقدًا من الزمان حيث انخفض الدخل الحقيقي للفرد الأردني بينما كانت البطالة في ارتفاع مطرد، وبينما يتطلع العالم إلى نمو بنسبة 5 في المائة وأكثر، من المتوقع أن ينمو الاقتصاد الأردني بنسبة 1.4 في المائة، وهو بالكاد دليل على الانتعاش، خاصة وأن السنة المرجعية (2020) كانت سنة انكماش اقتصادي حاد. بالإضافة إلى ذلك، وحيث أن متوسط ​​معدل النمو السكاني كان 2.5 في المائة في السنوات الخمس الماضية، فإن الزيادة في النمو الاقتصادي بنسبة 1.4 في المائة تعني أن الدخل الحقيقي للفرد سينخفض ​​بنسبة 1.1 في المائة وهو ليس انتعاشا بأي معيار.

هنالك حاجة الآن إلى مجموعة من السياسات سريعة التأثير (المالية والنقدية) التي تعود بالفائدة على القطاع الخاص وتُنشّطه. وينبغي أن تكون هذه السياسات مدفوعة بإحساس هائل بأنها مُلحّة، لا سيما فيما يتعلق بالنمو والتوظيف؛ لماذا؟ لأنه لا يجوز التخطيط هنا وكأننا في سنة عادية؛ فلقد مر الاقتصاد بعام مؤلم تكشّف فيه عن العديد من الأمراض ومواضع الضعف، وتضاءلت كل من الاستثمارات الأجنبية والمحلية المباشرة وغير المباشرة إلى حد كبير. كما بدى واضحا للعيان ظاهرة إغلاق المؤسسات خاصة تلك العاملة في قطاعات التشييد والسياحة والضيافة والنقل؛ وكان الضرر جسيما لدى فئة الشركات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة وهي تساهم بنسبة 52 في المائة في الناتج المحلي الإجمالي.

يجب أن تكون هناك مجموعة من الجهود جيدة التصميم وموجهة نحو النمو تتم صياغتها بشفافية ومن خلال حوار واسع النطاق مع أصحاب العلاقة. كذلك، يجب مراقبة الاستراتيجيات وخطط العمل والنتائج بشكل صحيح لأن وضع السياسات دون آليات المتابعة والرصد والتقييم المناسبة لن يؤدي إلا إلى مزيد من عدم الثقة، فلقد أصبح الأردن مشهورا بإطلاق مبادرات تتلاشى في غضون أيام أو أسابيع مما أدى لفقدان المواطنين الاهتمام بأي تصريحات أو مبادرات جديدة. يجب أن يُكافأ الفاعلون والمنجزون وأن يعاقب المماطلون وغير المنتجون. كما يجب تطبيق القانون وقواعده على الجميع وكذلك المكافآت والعقوبات، والتعامل بصرامة مع الجرائم، سواء كانت كبيرة أو صغيرة، وإلا سيعتقد مرتكبو الجرائم الصغيرة الذين لم يطالهم القانون بأنهم فوقه ومنزهين من العقاب كما شاهدنا ونشاهد، فيتطاولوا على الجميع بجرائم أكبر. يجب تطبيق المكافأة والعقاب بشكل ديمقراطي وعلى قدم المساواة للجميع. دعونا لا ننتظر طويلا.

Bring back the trust Jun 20,2021 (As published in Jordan Times)

 Distrust in government policies in Jordan, as in anywhere worldwide, leads to delays in the formation and implementation of proper policies, whether they are economic, social or political because the spread of mistrust creates an atmosphere of negativity and uncertainty that does not help bring the much needed economic recovery. Public mistrust of the government in Jordan has been on the rise for several years now. The main reasons for such mistrust are that economic policies and the implementation thereof did not materialise into improved citizenry welfare. Also, there is an evident lack of follow up by government(s) on well-meaning initiatives. Therefore, there is an urgent need to bring back the lost trust in government.

Recent actions by the public sector have not helped douse a widely spread mistrust. On the contrary, such actions brought forth many protests internally that resulted in government reshuffles, and entrenched grievances over the lack of reforms, in spite of the many on-paper reform programmes and plans, as Cabinets hesitated, backtracked, or went into a perennial paralysis. Moreover, the mistrust has translated into a relapse in the ranking of Jordan in some of the indices that matter. For example, the position of Jordan in the global index on corruption of Transparency International has slipped from 45 in 2015 to 60 in 2020, and the ranking of Jordan was reduced from “Partly Free” to “Not Free” in the Freedom House index in 2021. Such arguably justified mistrust can delay if not derail government policies and efforts aimed at improving the status quo through reform. 

The COVID-19 responses by the government and the defence orders have not improved matters either. Worsening economic conditions due to the harsh closures, curfews and the apparent lack of a comprehensive model and preparedness to deal with the health and economic impacts of COVID-19 during 2020 and still in 2021 have intensified the calls for political and economic reform.  

As the economic data shows, such calls are legitimate (and may have been behind the formation of the recent royal committee). The economy contracted by 1.6 per cent in 2020, unemployment rose to 24.7 per cent in the fourth quarter of 2020 (one out of two youths is unemployed; worse still, 75 per cent of degree holders are jobless), and the central government debt rose from 97.4 per cent of the GDP in 2019 to 111 per cent in 2020, note that 20 per cent of the debt is due to the electricity sector, where government policies have been devoid of any economic sense. Furthermore, such economic deterioration has come on the backend of a decade long recession where the per capita real income of Jordanians has been falling while unemployment was steadily rising. And, while the world is looking at 5 per cent plus growth, the Jordanian economy is expected to grow at 1.4 per cent, which is hardly a recovery, especially since the reference year (2020) was one of severe economic contraction. In addition, given a 2.5 per cent average population growth rate in the last five years, a 1.4 per cent increase in economic growth means that the per capita real income will decline by 1.1 per cent.

Beyond the political reform suggestions of the royal committee, needed now is a quickly impacting set of policies, both fiscal and monetary, that benefit and revive the private sector. The correct set of policies should be driven by a sense of urgency, especially when it comes to growth and employment; why? Because it is not business as usual! The economy has been dealt an unusual year that exposed its many ailments and weaknesses. Both the foreign and domestic direct investments have shriveled into a trickle; closures of many enterprises, especially those in construction, tourism and hospitality, and transport, is ever so apparent; and micro and small and medium enterprises, which contribute 52 per cent of the GDP, have been badly hit. 

There needs to be well-conceived growth oriented set of efforts that are formulated in a transparent manner and through a wide reaching discourse with the stakeholders. Most importantly, the strategies, plans of action and results should be properly monitored because making policies, as in the past, without proper follow up and monitoring mechanisms will only yield more mistrust. After all, Jordan is famous for launching initiatives that fizzle within days or weeks, which has led the public to lose interest in any new pronouncements. Doers and achievers must be rewarded, and the procrastinators, the do-nothing golden bricks, should be penalised. The law and its rules should apply to all and so do the rewards and punishments. Crimes, whether big or small, should be dealt with, otherwise the unpunished perpetrators of small crimes would believe that they are above the law and, thus, commit bigger and worse crimes. Let’s not wait too long.

Monday, June 14, 2021

استقرار الأردن والإنتاجية والريعية 14 6 2021

هنالك علاقة وثيقة بين استقرار الأردن والإنتاجية والريعية. وما حدث في الشهور القليلة الماضية يبين هذه العلاقة بوضوح، مما يوجب التنبيه والنصح.   

تقوم الدولة الحديثة على الإنتاجية؛ أي، يتحد الناس معًا لتشكيل دولة لأنهم يعتقدون أنهم سيكونون أفضل حالًا كمجموعة أكبر من الأشخاص والمؤسسات بدلا من مجاميع صغيرة. وعادة ما يؤدي الفشل في تعزيز الإنتاجية وبالتالي الرفاهية إلى ظهور دعوات لعكس الوضع الراهن. ومع ذلك، تتطلب الإنتاجية وجود قطاع خاص مزدهر في اقتصاد السوق وحكومة مشاركة في صناعة وتشكيل هذا السوق من خلال تحفيز الابتكار والابداع والتطور العلمي بالإضافة الى توفير البنى التحتية المتقدمة لتمكين نمو معدلات الإنتاج والإنتاجية.

تتطلب الإنتاجية اقتصاد غير اقصائي يحتوي الجميع كل حسب قدراته،  مبني على الجدارة حيث تتناسب التعويضات مع الجهد المبذول وجدارة المشاركين في النشاط الاقتصادي بغض النظر عن أصل الشخص أو الولاءات المتصورة أو القرابة للحاكم أو القرب منه أو العرق أو التراث أو الجنس أو الدين أو غير ذلك من العوامل غير المتعلقة بالإنتاج والإنتاجية. ولأن الاقتصاد ومؤسساته يكافئا الإنتاجية تنمو الدولة الحديثة وتزدهر وتستب أمورها؛ وكذلك حال مواطنيها. وتضمن الدولة الحكيمة والتطلعية توفير وسائل التدريب وتنمية المهارات اللازمة للإنتاج والإنتاجية والفرص لتوظيف هذه المهارات بشكل مثمر.

من ناحية أخرى، قد تدعي بعض الدول الحداثة دون أن تكون هذه الحداثة قائمة على الإنتاجية بل تعتمد بدلاً من ذلك على الريعية، حيث تستمد الدولة الريعية كل أو جزء كبير من إيراداتها من أفراد أو مصادر أو حكومات أجنبية نتيجة بيعها لمورد طبيعي مثل النفط - مثال على ذلك الدول العربية الغنية بالنفط (المعروفة أيضًا في الأدبيات باسم دول فائض رأس المال)، وبالتالي يمكنها هذا الريع من أن تقوم بدفع رواتب (ريع) لمواطنيها مقابل الولاء والحفاظ على الوضع الراهن دون زيادة إنتاجية مواطنيها أو البلد. تعتقد أو على الأقل تتصرف هذه الدول كما لو أنها لا تملك سببًا مقنعًا للتركيز على الإنتاجية، وتستمر في البقاء على قيد الحياة بالمال (الريع) الذي تجنيه من بيع المورد الطبيعي ودفع جزء منه لمواطنيها.

ويطلق على الدول الأخرى، مثل تلك التي لا تمتلك قاعدة موارد طبيعية كافية لتحقيق إيرادات منها والتي لم تتمكن من تعزيز الإنتاجية، لقب دول "شبه ريعية". ويكون ريع الدولة عادة ناجم عن استخدام هذه الدول لموقعها السياسي أو الجغرافي لتلقي المساعدة (الريع) من البلدان الأخرى وتوزيع شكل من أشكال الريع (مدفوعات غير القائمة على الجدارة والمكانات بل على أسس ليس لها علاقة بالإنتاج والإنتاجية) على مواطنيهم. ويكون حجم الريع في هذه الحال مقيد بمقدار المساعدات التي تتلقاها الدولة، وحين تشح المساعدات تقوم هذه الدول بالاقتراض لكي تستمر بتوفير الريع. بما أن الإنتاجية هي آخر ما تقوم به هذه الدول التي تستنفذ مواردها في توزيع الريع، ولا تعتمد نهج الإنتاجية يكون استقرارها مربوط باستمرار الريع.  وفي حال انخفاض المساعدات من الخارج، فإن استقرار هذه البلدان يصبح مهددا، والأردن ليس بحالة خاصة أو مستثناة، فتلجأ إلى القروض لتمويل الطلب على الريع - حاليا ، يذهب أكثر من 15 في المائة من الإيرادات المحلية الحكومية في الأردن لخدمة الدين العام والذي يذهب في غالبيته لسداد الرواتب ومعاشات التقاعد لموظفي الحكومة.

إن الأحداث السلبية التي حدثت في الأشهر الثلاثة الماضية باعتقادي مرتبطة بوقف المساعدات من بعض البلدان "الصديقة" في السنوات الأخيرة. وعند النظر إلى منظومة هذه الأحداث بمجموعها فلا بد وأن يكون الهدف النهائي منها زعزعة استقرار الأردن أو فرض صفقة القرن عليه. ومع ذلك، فقد تجاهل من صمم مثل هذا المخطط أن استقرار الأردن لا يعتمد فقط على العوامل الاقتصادية والرعية ولكن أيضًا على الرغبة الشعبية في الحفاظ على الوحدة في ظل القيادة الحالية. وبالتالي، بغض النظر عن المعاناة التي حدثت (والتي تفاقمت مع ظهور COVID-19) ، فالحفاظ على الأردن كالدولة الأكثر استقرارًا في العالم العربي هو الطموح الجماعي للغالبية العظمى من الأردنيين سواء كان ذلك بسبب الأنثروبولوجيا أو التاريخ أو المؤسسات  أو ببساطة بسبب المشاهدات في المنطقة وما نجم عن عدم الاستقرار في دول الجوار.

الحكمة الجماعية للشعب الأردني ليست عصاة سحرية يعتمد عليها الى الأبد، أو دعوة إلى اللامبالاة والاستهتار بمسببات المؤامرات وأهدافها وما نجم عنها من قلاقل رغم فشلها. يجب على الأردن أن يتخلى عن وضعه شبه الريعي من خلال التحرك بحذر وثبات وعقلانية نحو الدولة الحديثة القائمة على الإنتاجية مع ضمان توفير بعض الرخاء في بداية أي عملية إصلاح لكي تكون أكثر تقبلا من قبل الشارع الأردني. الدرب أمامنا شاق، ولكنه ممكن وصحيح. دعونا لا ننتظر طويلا!