يقال إن الأردني إذا سألته: "كم راتبك؟" لا يجيبك بالرقم، بل يقول لك:"الحمد لله مستورة "لكن المشكلة أن "مستورة" لم تعد تكفي لدفع الإيجار، ولا الأقساط، ولا التعليم، ولا العلاج، ولا حتى كلفة البنزين للوصول إلى العمل. ولهذا، عندما نتحدث اليوم عن الأجور، فنحن لا نتحدث عن رقم في كشف الراتب، بل عن سؤال وطني كبير: هل يستطيع العامل في الأردن أن يعيش بكرامة من عمله؟
أولاً: أين نقف
اليوم؟ متوسط الأجر الشهري يقارب600 دينار، لكن الوسيط وهو الأهم يقارب360 دينارًا فقط. والحد
الأدنى للأجور هو290 دينارًا. وفي القطاعات المختلفة، نرى تفاوتًا واضحًا:
- عمال في بعض
الصناعات الخفيفة: حوالي260 دينارًا
- قطاعات
صناعية تقليدية: بين260–450 دينارًا
- قطاعات
تقنية وصناعية متقدمة 500–800 :دينار
- وظائف
إدارية عليا: قد تتجاوز1600 دينار
النتيجة: غالبية
العاملين في الأردن يعملون بأجور قريبة من الحد الأدنى أو أقل بكثير من كلفة
الحياة الكريمة.
ولكن ما هي
الحياة الكريمة: الحياة الكريمة ليست مفهومًا شعريًا، بل معيار اقتصادي-اجتماعي
ملموس يحدد ما إذا كان دخل الفرد وعمله يمكّنانه من العيش باستقلال وكرامة. هي القدرة على تأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية بشكل مستدام،
دون الوقوع في العجز أو الاعتماد الدائم على الآخرين،
وتشمل:
- سكن لائق (إيجار/ملكية
آمنة)
- غذاء كافٍ
وصحي
- رعاية صحية
يمكن الوصول إليها
- تعليم
وتدريب يفتحان فرصًا أفضل
- مواصلات
واتصالات فعّالة
- قدرة على
الادخار لمواجهة الطوارئ
- استقرار
وظيفي وحماية اجتماعية
ثانياً: هل تكفي هذه الأجور للعيش الكريم؟ دعونا نبسطها كالتالي: إيجار بسيط: 250 دينار، ومصاريف طعام ومواصلات واتصالات: 200–250 دينار. النتيجة: العجز شبه مؤكد قبل الادخار أو الزواج أو الاستثمار في المستقبل. وهذا يفسر (تأخر الزواج، والعمل في أكثر من وظيفة، والاعتماد على الأسرة، والهجرة).
ثالثاً: التعليم… الحلقة المفقودة في معادلة الأجور. السؤال ليس فقط: كم الأجر؟ بل لماذا هذا الأجر؟ الإجابة تبدأ من التعليم. فالتعليم يجب أن يتضمن (مهارة، وإنتاجية، وقدرة على خلق قيمة). لكن في الأردن، لدينا مفارقة بأن نسبة التعليم مرتفعة، لكن العائد على التعليم ضعيف
أي أن الشهادة لا
تعني بالضرورة دخلًا أعلى.
رابعاً: لماذا لا يرفع التعليم الأجور؟ الأسباب عديدة:
1.
فجوة بين التعليم
وسوق العمل
2.
اقتصاد منخفض
القيمة المضافة
3.
ضعف التعليم
المهني والتطبيقي
النتيجة: خريج جامعي قد يتقاضى نفس أجر عامل غير ماهر
وربما أقل.
خامساً: العلاقة الحاسمة – الإنتاجية
الحقيقة
الاقتصادية البسيطة:
- عامل ينتج 5
دنانير/ساعة → أجر منخفض
- عامل ينتج
15 دينارًا → أجر متوسط
- عامل ينتج
50 دينارًا → أجر مرتفع
المشكلة ليست فقط في الأجور، بل في: كم ننتج؟
سادساً: مقارنة دولية
|
ما يميّزها |
الأجر |
الدولة |
|
إنتاجية محدودة |
~600 دينار |
الأردن |
|
تكلفة معيشة أقل |
أقل |
مصر |
|
قاعدة صناعية |
أعلى |
تركيا |
|
استثمار + ريع |
أعلى بكثير |
المملكة العربية السعودية |
|
بنية تحتية قوية واستثمار+ ريع |
مرتفع |
الإمارات العربية المتحدة |
|
إنتاجية عالية |
مرتفع جدًا |
ألمانيا |
|
اقتصاد متقدم |
مرتفع |
المملكة المتحدة |
|
إنتاجية عالمية |
الأعلى |
الولايات المتحدة |
الفرق ليس في "كرم" الدول، بل في قيمة ما ينتجه العامل
الأجر لا يرتفع
وحده. الأجر يرتفع عندما ترتفع إنتاجية الإنسان. وهذا يعتمد على عدة عوامل مثل (تعليم جيد، صحة جيدة، وجود بنية تحتية
فعالة، وقوانين مؤسسية فعالة).
في الأردن: الانفاق على التعليم: نحو3.5% من الناتج المحلي، وعلى الصحة: نحو7.7% (كلي قطاع خاص وعام)، والإنفاق الرأسمالي (بما فيه البنية التحتية): نحو3–4% من الناتج المحلي الإجمالي. هذه أرقام ليست منخفضة جدًا، لكنها لا تُترجم إلى جودة كافية.
ثامناً: قصص من الواقع الأردني
القصة الأولى: خريج بلا فرصة
شاب من إربد، راتبه 350 دينارًا، "درست 4 سنوات… عملي لا يحتاج أكثر من أسبوع تدريب".
القصة الثانية:
المهارة تصنع الفرق
فني تكييف دخله
يصل 1000 دينار، المهارة تفوقت على الشهادة
القصة الثالثة:
التعليم المرتبط بالسوق
شابة تعلمت
البرمجة →
دخلها 1200 دينار عن بعد، التعليم الحديث يخلق قيمة
القصة الرابعة: مدرس
دون أجر كريم
معلم يتقاضى
400–500 دينار، فجوة بين القيمة الاجتماعية والأجر
تاسعاً: الرسالة السياسية الواضحة
لا يمكن أن نطلب
من العامل الأردني إنتاجية عالمية:
- دون تعليم
مرتبط بالسوق
- دون صحة
قوية
- دون بنية
تحتية فعالة
ولا يمكن أن نلوم
الشباب على الهجرة، إذا لم يتمكنوا من بناء حياة كريمة.
بالنتيجة
الدولة التي تبخل
على المدرسة، ستدفع الثمن في البطالة، والأجر الكريم لا يبدأ من الراتب، بل من
التعليم والصحة والطريق إلى العمل، ورفع الأجور دون إنتاجية يؤدي الى التضخم، ورفع
الإنتاجية دون عدالة يؤدي للهجرة.
لذا، لا يكفي أن نسأل: كم الحد الأدنى للأجور؟ بل يجب أن نسأل: ما الحد الأدنى لتحقيق الحياة الكريمة؟ فما قيمة الراتب إذا ابتلعه الإيجار؟ وما قيمة التعليم إذا لم يخلق مهارة؟ وما قيمة النمو إذا لم يصل إلى الناس؟
الحل ليس فقط في رفع الأجور، بل في رفع الإنسان الأردني نفسه تعليمًا، وصحة، وقدرة على الإنتاج. لأن الحقيقة البسيطة هي: الأجر الكريم لا يأتي من قرار… بل من اقتصاد ينتج قيمة حقيقية، وذلك يبدأ من قرار وطني واضح: الاستثمار في الإنسان الأردني ليس إنفاقًا… بل هو أهم استثمار في مستقبل البلاد.
No comments:
Post a Comment