Tuesday, October 6, 2026

من تسعير السلعة إلى تسعير المستهلك

د. يوسف منصور

لم تعد المنافسة في تجارة التجزئة تدور فقط حول من يملك المتجر الأفضل، أو الموقع الأفضل، أو السعر الأقل. هناك منافسة جديدة تتشكل بين نموذجين مختلفين تماماً: متجر يشتري البضاعة أولاً ثم ينتظر المستهلك، ومنصة رقمية تبدأ بالمستهلك، تعرف ما يبحث عنه، وتعرض عليه ما يرجح أنه يريد، ثم تستطيع أن ترسل إليه السلعة من مكان يبعد آلاف الكيلومترات. الذكاء الاصطناعي يجعل الفارق بين النموذجين أكبر.

للتجارة الإلكترونية فوائد اقتصادية واضحة. فقد وسعت خيارات المستهلك، وخفضت كلفة البحث والمقارنة، وسمحت للشركات بالوصول إلى أسواق لم تكن تستطيع الوصول إليها سابقاً. ومع الذكاء الاصطناعي أصبحت المنصات أكثر قدرة على تحليل الطلب، والتنبؤ بالأذواق، واقتراح المنتجات، وتوجيه الإعلان إلى الأشخاص الأكثر احتمالاً للشراء، بدلاً من إنفاق الأموال على حملات إعلانية عامة لا يعرف البائع من سيستجيب لها.

لكن خلف هذه الكفاءة توجد معادلة اقتصادية مختلفة تماماً عن تلك التي يواجهها المتجر التقليدي. فصاحب المتجر يختار البضاعة قبل الموسم، ويشتريها ويمولها ويشحنها ويخلصها جمركياً، ثم يتحمل الضرائب والرسوم والإيجار ورواتب العاملين والكهرباء والتجهيزات. وبعد كل ذلك ينتظر أن يدخل المستهلك من الباب.

وإذا أخطأ التاجر في تقدير اللون أو المقاس أو الموضة أو حجم الطلب، تبقى البضاعة على الرف. ورأس المال الذي كان يفترض أن يدور ويتحول إلى مبيعات يصبح مخزوناً راكداً. ثم تبدأ التنزيلات، وقد يضطر التاجر في نهاية الموسم إلى البيع بهامش ضئيل، وربما بخسارة، لكي يستعيد جزءاً من السيولة.

أما المنصة الإلكترونية العالمية فتستطيع أن تعمل بمعادلة مختلفة. يمكنها عرض آلاف المنتجات، واختبار الطلب عليها رقمياً، ومعرفة المنتجات التي تجذب الاهتمام قبل وصولها إلى المستهلك، ثم توجيه السلعة المطلوبة إليه مباشرة. وبفضل الحجم الهائل لعملياتها تستطيع توزيع كلفة التكنولوجيا والتخزين والتسويق والشحن على ملايين المعاملات وعشرات الأسواق.

وفي الأردن تضاف إلى ذلك مسألة الضرائب والجمارك. فالملابس المستوردة تجارياً تمر عبر نظام جمركي وضريبي تختلف فيه التعرفة بحسب نوع السلعة وتصنيفها ومنشئها والاتفاقيات التجارية المطبقة. كما يتحمل التاجر المحلي بقية كلف ممارسة النشاط داخل الاقتصاد الأردني.

لكن الفرق الحقيقي بين النموذجين قد لا يكون في الضرائب، ولا في الإيجار، ولا حتى في المخزون، بل في المعلومات. فالمتجر التقليدي يعرف الكثير عن السلعة والقليل نسبياً عن الشخص الذي سيدخل لشرائها. أما المنصة الرقمية فقد تعرف ما بحث عنه المستهلك بالأمس، وما اشتراه الشهر الماضي، والمنتجات التي شاهدها ولم يشترها، والمدة التي قضاها في مشاهدة سلعة معينة، والأسعار التي اعتاد دفعها، وموقعه، وعشرات وربما مئات الإشارات الأخرى الناتجة عن سلوكه الرقمي.

هذه المعلومات كانت تستخدم أساساً للإعلان: إذا كنت مهتماً بالرياضة يظهر لك حذاء رياضي، وإذا بحثت عن رحلة تبدأ عروض الفنادق والطيران بالظهور أمامك. لكن الذكاء الاصطناعي يسمح بالانتقال إلى مرحلة أكثر تعقيداً. فبدلاً من استخدام البيانات فقط لمعرفة ماذا تريد، يمكن استخدامها لمحاولة معرفة كم أنت مستعد أن تدفع.

وهنا نقترب من مفهوم اقتصادي قديم هو التمييز السعري من الدرجة الأول، سأشرحه بمثال:  لنفترض أن ثلاثة أشخاص يريدون شراء السلعة نفسها. الأول مستعد لدفع 50 ديناراً، والثاني 40، والثالث 30. إذا كان السعر المعلن 30 ديناراً للجميع، يحصل الأول والثاني على منفعة لأنهما كانا مستعدين لدفع أكثر من السعر الفعلي. هذه المنفعة يسميها الاقتصاديون فائض المستهلك. فإذا كنت مستعداً لدفع 50 ديناراً مقابل قميص واشتريته بـ30، حصلت على فائض مستهلك مقداره 20 ديناراً.

لكن ماذا يحدث إذا استطاعت الخوارزمية أن تعرف، أو على الأقل أن تتنبأ بدرجة عالية من الدقة، بأنك مستعد لدفع 50؟ من وجهة نظر البائع يصبح السعر المثالي لك أقرب إلى 50، بينما قد يكون 40 لمستهلك آخر و30 لثالث. وكلما اقترب البائع من معرفة الحد الأقصى لاستعداد كل شخص للدفع، اقترب نظرياً من التمييز السعري من الدرجة الأولى، وانتقل جزء أكبر من فائض المستهلك إلى البائع. أي أن ما كان افتراضاً نظرياً يصعب تطبيقه في كتب الاقتصاد أصبح الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة قادرين على تقريب الأسواق منه.

هذا التسعير الشخصي ليس ضاراً بالضرورة في جميع الحالات. فقد تستخدم الشركة المعلومات لتقديم سعر أقل إلى مستهلك شديد الحساسية للسعر، فيشتري سلعة لم يكن سيشتريها بالسعر الموحد. ويمكن للتمييز السعري، في ظروف معينة، أن يوسع السوق ويزيد المبيعات. لكن المشكلة تبدأ عندما لا يعرف المستهلك أن السعر الذي يراه قد لا يكون السعر نفسه الذي يراه الآخر، وعندما تستخدم معلومات شخصية وسلوكية لا يعرف حجمها أو كيفية جمعها لتقدير أقصى مبلغ يمكن اخذه منه.

ماذا لو انتقلت الفكرة نفسها إلى البنوك والقروض؟ هنا تصبح القضية أكثر أهمية. فالبنوك تستخدم أصلاً نظام تسعير يرتكز على المخاطر. فالعميل الذي ترتفع احتمالات تعثره قد يدفع سعر فائدة أعلى من عميل يتمتع بتاريخ ائتماني قوي ودخل مستقر. فاختلاف السعر هنا يعكس اختلاف تكلفة المخاطر. لكن الذكاء الاصطناعي يمكن، من حيث المبدأ، أن يسمح للبنك بالإجابة عن سؤال مختلف تماماً، وهو:  ما أعلى سعر فائدة سيكون هذا العميل مستعداً لقبوله؟

لنفترض أن مخاطر العميل وكلفة الأموال وهامش الربح الطبيعي تبرر قرضاً بفائدة 7%. لكن البنك يستطيع من خلال البيانات أن يعرف أن راتب العميل يدخل إلى البنك نفسه، وأن لديه التزامات مالية عاجلة، وأن رصيده يتراجع بسرعة، وأن نمط معاملاته يدل على حاجته إلى السيولة، وأنه لا يقارن كثيراً بين عروض البنوك، وأنه سبق أن قبل عروضاً ائتمانية بسرعة. إذا استطاعت الخوارزمية أن تستنتج أنه سيقبل قرضاً بفائدة 9.5%، فهل سيعرض عليه البنك 7% أم 9.5%؟

إذا كانت الزيادة تعكس ارتفاع احتمال عدم السداد، فهي تسعير للمخاطر. أما إذا كان العميل لا يختلف في مخاطره عن غيره، لكنه يدفع أكثر فقط لأن الخوارزمية اكتشفت أنه أكثر استعداداً أو اضطراراً للدفع، فنحن أمام شيء مختلف تماماً، وهو  تسعير للاستعداد للدفع. وهنا يقترب التسعير المصرفي نفسه من فكرة التمييز السعري من الدرجة الأولى.

تمتلك البنوك والمؤسسات المالية بيانات أكثر حساسية من تلك المتاحة لمتجر إلكتروني. فقد تعرف تدفقات الراتب، والأرصدة، والإنفاق الشهري، واستخدام البطاقة، وانتظام دفع الفواتير، والقروض القائمة، والتحويلات، والسحب النقدي. ومع توسع استخدام البيانات البديلة يمكن أن تدخل إشارات أخرى في نماذج التقييم.

فكلما عرف البنك العميل بصورة أفضل، أصبح أكثر قدرة على تقدير مخاطره؛ لكنه قد يصبح أيضاً أكثر قدرة على تقدير ضعفه التفاوضي. وإذا استخدمت هذه المعرفة ليس لتقدير احتمال السداد وإنما لتقدير أقصى فائدة يقبلها العميل، تتحول البيانات من أداة لقياس المخاطر إلى أداة لاستخراج فائض المستهلك، أو ما يمكن تسميته باللغة الدارجة، استغلال المستهلك.

ومن هنا يظهر دور السياسة الاقتصادية وقوانين المنافسة وحماية البيانات والمستهلك. المطلوب ليس مقاومة الذكاء الاصطناعي، وإنما تحديد الحدود بين التخصيص الذي يزيد الكفاءة والتخصيص الذي يستخرج فائض المستهلك اعتماداً على معلومات لا يملك المستهلك قوة مماثلة لمواجهتها. وهنا أيضاً يبدأ التحدي الاقتصادي الكبير القادم.


نشر المقال في جريدة الرأي الاردنية / 05 تشرين الاول 2026

https://alrai.com/article/10979661/كتاب/من-تسعير-السلعة-إلى-تسعير-المستهلك


 

الأردن عند عتبة نمو جديدة

د. يوسف منصور

أظهرت تقديرات دائرة الإحصاءات العامة، الصادرة في 30 أيلول 2026، أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نما بنسبة 3% خلال الربع الثاني من العام الحالي، وهو ما توقعته سابقاً، مقارنة بنحو 2.8% في الربع نفسه من عام 2025، وبعد نمو بلغ 2.9% في الربع الأول من هذا العام. وبذلك أصبح الاقتصاد الأردني يتحرك عند عتبة 3%، بعد مسار من التحسن التدريجي خلال السنوات الأخيرة.

أهمية الرقم لا تكمن في بلوغ 3% بحد ذاته، وإنما في الاتجاه الذي يقف وراءه. لكن ما الذي يدفع النمو اليوم؟ الإجابة الأكثر تشجيعاً هي أن جزءاً مهماً من التحسن يأتي من الاقتصاد المنتج. فالبيانات الأخيرة تشير إلى أداء قوي في الصناعة التحويلية وعدد من الأنشطة الإنتاجية والخدمية المرتبطة بها. وهذا مهم، لأن النمو الذي تقوده الصناعة والاستثمار والتصدير يختلف في طبيعته وأثره عن نمو يعتمد أساساً على الاستهلاك أو على نشاطات قصيرة الأجل.

وأهمية الصناعة أنها لا تنمو وحدها. فنموها يحرك النقل والتجارة والخدمات، ويرفع فرص التصدير والتشغيل. وكلما زادت مساهمة القطاعات الأعلى إنتاجية وقيمة مضافة، أصبح الاقتصاد أكثر قدرة على المحافظة على النمو، بدلاً من تسجيل ارتفاعات مؤقتة سرعان ما تتراجع.

لن ننتقل سريعاً من 3% إلى 4% أو 5% أو 8%، لأن الانتقال إلى معدلات نمو أعلى بصورة مستدامة يحتاج إلى إعادة هيكلة تدريجية للاقتصاد الأردني، وليس إلى قرار اقتصادي واحد أو حزمة تحفيز قصيرة الأجل. فالاقتصاد لا يستطيع مضاعفة سرعته بين ليلة وضحاها في الظروف العادية، لأن رفع النمو المستدام يتطلب توسيع القطاعات ذات الإنتاجية والقيمة المضافة المرتفعة، وزيادة الاستثمار، وتعميق القاعدة الصناعية والتصديرية، ورفع استخدام التكنولوجيا، وتحسين البنية التحتية للمياه والطاقة والنقل، وربط رأس المال البشري بصورة أكبر باحتياجات الاقتصاد الجديد. وهذه كلها تحولات هيكلية تحتاج إلى وقت واستثمار وتراكم في رأس المال والإنتاجية.

ومن هذه الزاوية تصبح المشاريع المقبلة مهمة في قراءة مستقبل النمو. فالبرنامج التنفيذي الثاني لرؤية التحديث الاقتصادي للأعوام 2026–2029 يتضمن 182 مبادرة موزعة على 25 قطاعاً، تنفذ من خلال 392 مشروعاً. كما يتضمن مشاريع استثمارية كبرى ومشاريع شراكة بين القطاعين العام والخاص، فيما تشير الحكومة إلى استثمارات بالشراكة مع القطاع الخاص تقارب 10 مليارات دينار خلال مدة تنفيذ البرنامج، مع بدء طرح وتنفيذ جزء منها في قطاعات الطاقة والمياه والنقل والبنية التحتية.

التركيز على المشاريع مهم للغاية؛ لأن السياسات والتشريعات تستطيع تحسين البيئة الاقتصادية، لكن المشاريع هي التي تحول التوجهات إلى استثمار حقيقي وطاقة إنتاجية جديدة. كما أن المشروع الكبير لا يعطي أثره دفعة واحدة. يبدأ الأثر أثناء التنفيذ من خلال الإنفاق والتشغيل والطلب على الإنشاءات والنقل والخدمات، ثم يصبح أعمق بعد التشغيل عندما يضيف طاقة إنتاجية جديدة ويخفض بعض تكاليف الاقتصاد ويفتح المجال أمام استثمارات أخرى.

لذلك، فإن جزءاً مهماً من أثر المشاريع التي يجري التحضير لها أو تنفيذها لم يظهر بعد بصورة كاملة في أرقام الناتج المحلي الإجمالي. وهذا ما يجعل قراءة النمو الحالي أكثر إيجابية: الاقتصاد وصل إلى عتبة 3% في وقت لا تزال فيه دورة جديدة من الاستثمار والمشاريع في مراحلها الأولى.

هناك عامل ثالث لا يجب أبداً أن يستهان به، وهو الثقة والتوقعات. فالمستثمر الذي يقرر إنشاء مصنع، والشركة التي تقرر التوسع، والأسرة التي تقرر شراء منزل أو سلعة معمرة، جميعهم يتخذون قراراتهم اليوم بناءً على ما يتوقعونه غداً. ولهذا أعطى علم الاقتصاد أهمية كبيرة للثقة والتوقعات في تفسير الاستثمار والاستهلاك والنشاط الاقتصادي.

وفي هذا السياق، يقدم استطلاع مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، الصادر في نيسان 2026 بعد مرور عام ونصف على تشكيل الحكومة، مؤشراً مهماً على المزاج العام. فقد أظهر أن 54% من أفراد العينة الوطنية يرون أن الأمور في الأردن تسير في الاتجاه الإيجابي. كما رأى 62% أن الحكومة كانت قادرة على تحمل مسؤوليات المرحلة، و64% أن رئيس الوزراء كان قادراً على تحمل مسؤولياتها.

ولا تعني هذه النتائج أن التحديات الاقتصادية قد اختفت، لكنها تعني أن أغلبية من المستطلعين ما زالت تنظر بإيجابية إلى الاتجاه العام للبلاد، بالتزامن مع تحسن معدل النمو وبدء دورة جديدة من المشاريع والاستثمارات.

وهذه الثقة تأتي اليوم بالتزامن مع أمرين مهمين: نمو تحقق بالفعل، ومشاريع واستثمارات لم يظهر أثرها الكامل بعد. والثقة لا تصنع النمو بمفردها، لكنها مهمة عندما تقترن بالاستثمار والتنفيذ وتحسن المؤشرات الفعلية، لأنها تؤثر في استعداد الشركات والمستثمرين لاتخاذ قرارات التوسع والاستثمار.

وليس صحيحاً أن نقول إن ارتفاع الثقة هو الذي تسبب وحده في ارتفاع النمو؛ فالعلاقة الاقتصادية أكثر تعقيداً من ذلك. لكن تحسن التوقعات مهم، لأنه يشجع المستثمر على اتخاذ القرار بدلاً من الانتظار، ويعطي الشركات ثقة أكبر بالتوسع. وإذا ترافق ذلك مع تنفيذ المشاريع وارتفاع الإنتاجية، فإنه يضيف قوة جديدة إلى مسار النمو.

كما لا ينبغي أن يكون هدفنا مجرد رفع رقم النمو من 3% إلى 4% أو 5%. الأهم أن يأتي النمو نتيجة تحسن الإنتاجية، وأن يعتمد بصورة أكبر على الاستثمار والتصدير والتكنولوجيا، وأن يصبح أكثر قدرة على خلق فرص العمل ورفع دخل المواطن. فالغاية من النمو ليست تحسين جداول الحسابات القومية، وإنما تحسين حياة الناس.

الصورة اليوم تدعو إلى التفاؤل. فهناك اقتصاد ينمو بوتيرة أفضل، وقطاعات إنتاجية تتحرك، ومحفظة كبيرة من المشاريع والاستثمارات تدخل تدريجياً مرحلة التنفيذ، وحكومة جعلت المشاريع والنمو والتنفيذ محوراً أساسياً لبرنامجها الاقتصادي، إلى جانب مستوى ملحوظ من الثقة والتوقعات الإيجابية.

الثلاثة في المئة ليست سقفاً للاقتصاد الأردني. ولعل أهميتها الحقيقية أنها تحققت في بداية دورة جديدة من المشاريع والاستثمار، لا في نهايتها. ومع دخول هذه المشاريع حيز التنفيذ، واستمرار تحسن القطاعات الإنتاجية، وتعزز الثقة والتوقعات الإيجابية، فإن الفرصة متاحة للانتقال تدريجياً إلى معدلات نمو أعلى وأكثر استدامة. أما الوصول إلى تلك المعدلات، فلن يكون قفزة تحدث بين ليلة وضحاها، بل نتيجة لإعادة هيكلة الاقتصاد ورفع إنتاجيته وتوسيع قاعدته الاستثمارية والإنتاجية.


نشر المقال في جريدة الرأي الاردنية/ 05 تشرين الاول 2026

https://alrai.com/article/10979533/كتاب/الأردن-عند-عتبة-نمو-جديدة


Sunday, October 4, 2026

التعداد السكاني ... حين تصبح المعلومة استثماراً

التعداد السكاني... حين تصبح المعلومة استثماراً

د. يوسف منصور

بدأ الأردن اليوم عملية التعداد العام للسكان والمساكن لعام 2026، وهي واحدة من أكبر العمليات الإحصائية التي تنفذها الدولة. وقد تبدو للوهلة الأولى عملية هدفها معرفة عدد السكان: كم أصبح عددنا؟ وأين نعيش؟ لكن القيمة الحقيقية للتعداد أكبر بكثير من مجرد الوصول إلى رقم جديد للسكان. فالتعداد، من منظور اقتصادي، هو استثمار في المعلومة التي ستُبنى عليها قرارات بمليارات الدنانير خلال السنوات المقبلة.

الفكرة ليست جديدة. فقد أدركت الدول والحضارات منذ آلاف السنين أن إدارة الاقتصاد تبدأ بمعرفة الناس والموارد. وتشير السجلات التاريخية إلى أن البابليين عرفوا شكلاً مبكراً من التعداد قبل  3800 قبل الميلاد حسب التقديرات. وتشير السجلات كذلك إلى تطور نظام أكثر انتظاماً لحصر الثروة في بلاد ما بين النهرين خلال الألفية الثالثة قبل الميلاد. ومن بابل انتقلت الفكرة بأشكال مختلفة إلى حضارات أخرى. حيث استخدمت مصر القديمة عمليات الحصر لمعرفة السكان والقوى العاملة والموارد، وطورت روما نظاماً أكثر انتظاماً مع التركيز على حقوق المواطنين. كما أتت كلمةcensus  من الكلمة اللاتينية censere، أي التقدير أو التقييم، المستخدمة اليوم.

لكن وظيفة التعداد تغيرت جذرياً مع تطور الدولة الحديثة ليصبح الهدف من المسوحات معرفة أين يعيش الناس، وأعمارهم، ومستويات تعليمهم، وخصائص أسرهم، وأوضاع مساكنهم، وأين توجد التجمعات السكانية التي ستحتاج إلى المدارس والمستشفيات والمياه والنقل وفرص العمل خلال السنوات المقبلة. لهذا توصي الأمم المتحدة بإجراء تعداد للسكان والمساكن ضمن دورة عشرية. فالتعداد من أعقد وأكبر العمليات التي تقوم بها الدول في أوقات السلم، والبيانات الناتجة عنه تستخدم في التخطيط التنموي والسياسات الاجتماعية وتحليل الأسواق وتوزيع الخدمات والاستجابة للأزمات.

أما في الأردن، فتعود البداية إلى عام 1952، عندما نُفذت أول عملية لحصر المباني والمساكن والسكان، وبلغ عدد السكان آنذاك نحو 586 ألف نسمة. وفي عام 1961 أُجري أول تعداد شامل للسكان والمساكن باستخدام منهجيات علمية متوافقة مع توصيات الأمم المتحدة، وجُمعت فيه معلومات ديموغرافية واجتماعية واقتصادية أكثر تفصيلاً. وتوالت بعد ذلك التعدادات في 1979 و1994 و2004 و2015. وقد شكلت نتائج هذه التعدادات الأساس الذي بنيت عليه تقديرات السكان والكثير من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية بين تعداد وآخر.

يدخل الأردن اليوم مرحلة جديدة مع تعداد 2026. فالتعداد يشمل نحو 2.5 مليون أسرة، وحوالي مليون مبنى، موزعة على نحو 24 ألف بلوك إحصائي. ويشارك في العملية الميدانية قرابة 12 ألف باحث وباحثة، بينهم نحو 10 آلاف معلم ومعلمة. كما تدخل التكنولوجيا بصورة أكبر من السابق، من خلال الأجهزة اللوحية والاستمارات الإلكترونية والخرائط الرقمية والربط مع السجلات الحكومية، إضافة إلى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في التدقيق والمتابعة.

تبلغ الكلفة المقدرة للتعداد نحو 24 مليون دينار، وهي كلفة قليلة جدا بالمقارنة مع ما يمكن أن نخسره إذا اتخذنا قرارات استثمارية بمليارات الدنانير اعتماداً على معلومات سكانية قديمة أو غير دقيقة. فالدولة ستبني خلال السنوات المقبلة مدارس ومستشفيات وطرقاً وشبكات مياه وصرف صحي ونقلاً عاماً ومشاريع إسكان وبنية تحتية. وستقرر أين توسع الجامعات والمدارس، وأين تحتاج إلى مراكز صحية جديدة، وأين تتزايد الحاجة إلى المياه والطاقة، وأين يجب أن توجه برامج التدريب والتشغيل. وكل قرار من هذه القرارات له كلفة، وبعضها يمتد أثره لعقود.

فإذا بُنيت مدرسة في منطقة يتراجع فيها عدد الأطفال، بينما تعاني منطقة أخرى من اكتظاظ متزايد، سيكون هناك كلفة اقتصادية وهدر لموارد شحيحة. وإذا أُنشئت بنية تحتية في مكان لا يمثل الأولوية السكانية الحقيقية، فهناك كلفة فرصة بديلة. وإذا لم تعرف الدولة أين سينضم عشرات الآلاف من الشباب إلى سوق العمل خلال السنوات المقبلة، تصبح سياسات التشغيل والتدريب أقل كفاءة. من هنا تصبح بيانات السكان نوعاً من البنية التحتية الاقتصادية، تماماً كما تحتاج الدولة إلى الطرق والكهرباء والاتصالات.

لا تقتصر المنفعة على الحكومة. المستثمر الذي يريد إنشاء مصنع يريد أن يعرف أين توجد العمالة. وشركة التجزئة تريد أن تعرف أين ينمو السكان والدخل والطلب. والمطور العقاري يحتاج إلى معرفة حجم الأسر وتركيبتها واتجاهات التوسع العمراني. والمستثمر في التعليم أو الصحة يحتاج إلى معرفة التركيب العمري للسكان وتوزيعهم الجغرافي. لذلك فإن قاعدة البيانات التي ينتجها التعداد هي أصل اقتصادي يستخدمه القطاع العام والقطاع الخاص والباحثون معاً.

كما أن للتعداد وظيفة اقتصادية أخرى، فهو يوفر الأساس الذي نحسب عليه كثيراً من المؤشرات التي نستخدمها للحكم على أداء الاقتصاد. فنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي يحتاج إلى تقدير دقيق لعدد السكان. وكذلك عدد الأطباء بالنسبة للسكان، وأعداد الطلبة، ومعدلات المشاركة في سوق العمل، ومؤشرات الفقر والخدمات والإسكان وغيرها. وإذا كان المقام الذي نبني عليه الحساب غير دقيق، فإن المؤشر نفسه قد يعطي صورة غير دقيقة.

وهنا تظهر أهمية إجراء التعداد بصورة دورية. فالأردن الذي كان عدد سكانه نحو 586 ألف نسمة عام 1952 تجاوز اليوم 12 مليون نسمة. ولم يتغير العدد فقط؛ تغير أيضاً توزيع السكان، والتركيب العمري، وحجم المدن، وأنماط السكن، والهجرة، والطلب على الخدمات. ولذلك لا تستطيع دولة تتغير بهذه السرعة أن تخطط للمستقبل بخريطة سكانية تعود إلى أكثر من عقد مضى. والمنطق الاقتصادي واضح: المعلومة الأفضل تقلل احتمال القرار الخاطئ، والقرار الخاطئ في مشروع بمئات الملايين قد تكون كلفته أكبر بكثير من كلفة جمع المعلومات التي كان يمكن أن تمنعه. وفي دولة ستتخذ خلال العقد المقبل قرارات استثمارية بمليارات الدنانير، قد تكون المعلومة الدقيقة واحدة من أكثر الاستثمارات عائداً وأقلها كلفة.

 

نشر المقال في جريدة الرأي الاردنية/ 03 تشرين الاول 2026

 https://alrai.com/article/10979290/كتاب/التعداد-السكاني-حين-تصبح-المعلومة-استثمارا


Jordan at the Threshold of a New Growth Era

By Dr. Yusuf Mansur*

The latest estimates released by Jordan’s Department of Statistics on September 30, 2026, show that real GDP grew by 3% in the second quarter of this year—a rate I had previously anticipated—compared with around 2.8% in the same quarter of 2025 and 2.9% in the first quarter of 2026. The Jordanian economy has thus reached the 3% threshold, following a gradual improvement in growth over recent years.

The significance of this figure lies not simply in reaching 3%, but in the direction of travel. What, then, is driving growth today? Most encouragingly, a significant part of the improvement is coming from the productive economy. Recent data point to strong performance in manufacturing and several related productive and service activities. This matters because growth driven by industry, investment, and exports is fundamentally different in both character and impact from growth that relies primarily on consumption or short-term activity.

Manufacturing does not grow in isolation. Its expansion stimulates transportation, trade, and services, while creating greater opportunities for exports and employment. The larger the contribution of high-productivity, high-value-added sectors, the greater the economy’s ability to sustain growth rather than merely experience temporary upswings.

We will not move quickly from 3% growth to 4%, 5%, or even 8%. Sustaining significantly higher growth requires a gradual restructuring of the Jordanian economy, not a single policy decision or a short-term stimulus package. Under normal circumstances, an economy cannot double its growth rate overnight. Higher sustainable growth requires expanding more productive and higher-value-added sectors, increasing investment, deepening the industrial and export base, accelerating the adoption of technology, improving water, energy, and transport infrastructure, and better aligning human capital with the needs of a changing economy. These are structural transformations, and they require time, investment, capital accumulation, and productivity gains.

This is precisely why the pipeline of upcoming projects is so important when assessing Jordan’s future growth prospects. The second Executive Programme of the Economic Modernisation Vision for 2026–2029 includes 182 initiatives across 25 sectors, to be implemented through 392 projects. It also includes major investment projects and public-private partnerships, while the government expects investment in partnership with the private sector to approach JD10 billion over the programme period. Some of these projects are already being tendered or implemented in energy, water, transport, and infrastructure.

The focus on projects matters greatly. Policies and legislation can improve the economic environment, but projects are what translate policy direction into actual investment and new productive capacity. Nor does a major project deliver its full economic impact all at once. Its effect begins during implementation through spending, employment, construction, transportation, and demand for services. The impact becomes deeper once the project is operational, adding new productive capacity, reducing some of the costs facing the economy, and creating opportunities for further investment.

A significant part of the economic impact of projects currently under preparation or implementation has therefore yet to appear fully in GDP figures. This makes the current growth performance even more encouraging: Jordan has reached the 3% threshold while a new cycle of investment and major projects is still in its early stages.

There is a third factor that should never be underestimated: confidence and expectations. An investor deciding whether to build a factory, a company considering expansion, or a household deciding whether to purchase a home or a durable good all make decisions today partly on the basis of what they expect tomorrow to bring. This is why economics has long attached considerable importance to confidence and expectations in explaining investment, consumption, and overall economic activity.

In this context, an April 2026 public opinion survey by the University of Jordan’s Center for Strategic Studies, conducted a year and a half after the formation of the government, provides a useful indication of public sentiment. It found that 54% of respondents in the national sample believed that things in Jordan were moving in a positive direction. In addition, 62% believed that the government had been capable of carrying out the responsibilities of the period, while 64% said the same of the prime minister.

These findings do not mean that Jordan’s economic challenges have disappeared. They do, however, indicate that a majority of those surveyed continue to view the country’s overall direction positively, at a time when economic growth is improving, and a new cycle of projects and investment is beginning.

This confidence coincides with two important developments: growth that has already materialised, and projects and investments whose full impact has yet to be felt. Confidence does not create growth on its own. But when accompanied by investment, implementation, and improving economic indicators, it matters because it influences the willingness of companies and investors to expand and commit capital.

It would therefore be wrong to argue that rising confidence alone has caused stronger growth; the economic relationship is far more complex. But better expectations do matter. They can encourage investors to act rather than wait and give businesses greater confidence to expand. When this is accompanied by project implementation and rising productivity, it adds further momentum to the growth process.

Nor should our objective simply be to move the headline growth rate from 3% to 4% or 5%. What matters more is that growth increasingly results from higher productivity, relies more heavily on investment, exports, and technology, and becomes better able to create jobs and raise citizens’ incomes. The purpose of economic growth is not to improve the numbers in the national accounts; it is to improve people’s lives.

The picture today gives grounds for optimism. The economy is growing at a stronger pace, productive sectors are gaining momentum, a substantial portfolio of projects and investments is gradually moving into implementation, and the government has placed projects, growth, and execution at the heart of its economic programme. This is taking place alongside a notable degree of confidence and positive expectations.

Three percent is not the ceiling for Jordan’s economy. Perhaps its real significance is that it has been achieved at the beginning of a new cycle of projects and investment, not at its end. As these projects move into implementation, productive sectors continue to strengthen, and confidence and expectations improve, Jordan has an opportunity to move gradually towards higher and more sustainable rates of growth. Reaching those rates will not happen overnight. It will be the result of restructuring the economy, raising productivity, and broadening its investment and productive base.

*The author is a former Jordanian Minister of State for Economic Affairs.


Published in Jordan Times 03 October, 2026

https://jordantimes.com/opinion/yusuf-mansur/jordan-at-threshold-of-new-growth-era-1307782



Saturday, September 19, 2026

The Dinar and Interest Rates: Are We Paying More Than Necessary?

Dr Yusuf Mansur*

Since Jordan pegged the dinar to the U.S. dollar in 1995, the relationship between Jordanian and U.S. interest rates has become one of the key determinants of monetary policy. Whenever the U.S. Federal Reserve raises interest rates, the Central Bank of Jordan (CBJ) faces a difficult question: Should it raise rates by the same amount to preserve the attractiveness of the dinar, or does it have some room to maneuver in response to domestic economic conditions?

The question may appear simple, but it goes much deeper. The real issue is not whether Jordan should follow the Federal Reserve, nor even whether interest rates in Jordan are high or low. Rather, it is this: What is the minimum interest-rate differential between the dinar and the dollar needed to preserve the stability of the dinar without imposing unnecessarily high financing costs on the Jordanian economy?

Pegging the dinar to the dollar does not necessarily mean that Jordanian interest rates must move point-for-point with U.S. rates. Jordan’s own experience provides evidence of this. An IMF study on monetary policy in Jordan found that Jordanian interest rates responded less than one-for-one to movements in U.S. interest rates; in other words, they did not fully mirror every rise and fall in Federal Reserve rates. The study also found that the CBJ responded to domestic factors, particularly inflation and the output gap (the difference between actual economic activity and its potential level).

This means that despite the exchange-rate peg, Jordan retains a degree of monetary policy space, although that space is limited and varies over time. This finding helps us understand an important point that is often overlooked in discussions of interest rates: the interest-rate differential required to protect the dinar is not a fixed number.

When the economy is performing well, economic growth is healthy, foreign reserves are strong, confidence in the dinar is high, dollarization is low, and inflows from tourism, remittances, and investment are robust, the dinar does not necessarily require a large interest-rate premium over the dollar. Under such conditions, interest rates are not the only reason households and businesses choose to hold dinars. Confidence, stability, growth, reserve adequacy, and external inflows all work alongside interest rates.

The situation changes when growth is weak, external inflows decline, reserves fall, or risks and uncertainty increase. The interest-rate differential then becomes more important because holding dollars may become relatively more attractive. The dinar may consequently require a larger premium to compensate for risk and sustain demand for the domestic currency.

The relationship we should therefore consider is not: If U.S. interest rates rise, Jordanian rates must rise by the same amount. Rather, the principle should be: The stronger Jordan’s economic fundamentals, the smaller the interest-rate differential that may be needed to maintain the stability of the dinar. The weaker those fundamentals become, the greater the need for an interest-rate premium. Note that growth can not be the only factor. The economy may record healthy growth while reserves decline, external inflows deteriorate, or dollarization increases. Growth must therefore be assessed alongside a broader set of indicators rather than in isolation.

Jordan’s economic history provides an important example. During the global financial crisis of 2008 and 2009, the CBJ lowered interest rates, but not as rapidly as the U.S. Federal Reserve. As a result, the interest-rate differential widened in favor of the dinar. At the time, the IMF noted that this differential enhanced the attractiveness of dinar-denominated assets and contributed to the continued accumulation of foreign reserves.

The CBJ subsequently reduced interest rates gradually as conditions improved, without causing confidence in the dinar to collapse. Deposits recovered, while the share of deposits denominated in Jordanian dinars continued to rise. The experience shows something more nuanced than simply saying that “high interest rates protect the dinar.”

Additional interest-rate protection is valuable when it is needed to preserve the attractiveness of the dinar during difficult economic conditions. But it may provide very little additional benefit—and may not be needed at all—when reserves are strong, confidence is high, and the economy can sustain demand for the dinar with a smaller premium.

This leads to a potentially useful concept for Jordanian monetary policy: the “Warranted Interest-Rate Differential.” This is the differential between Jordanian and U.S. interest rates justified at any particular point in time by the state of foreign reserves, economic growth, dollarization, inflation, liquidity, the external account, tourism receipts, remittances, investment flows and the overall level of risk.

The warranted differential can then be compared with the actual interest-rate differential. If the actual differential is close to the warranted differential, monetary policy has broadly achieved the required balance between protecting the dinar and avoiding unnecessary costs to the economy. But if the actual differential remains substantially above what economic conditions warrant for an extended period, the difference can be described as an “excess interest-rate premium.”

Such a premium is not costless. Higher interest rates are transmitted, to varying degrees, into the borrowing costs faced by businesses and households. They raise the cost of working capital, investment and mortgage finance, and may slow credit growth. They also increase the cost of refinancing public debt and influence investment decisions. The economy could therefore find itself bearing an additional economic cost in return for only a limited additional degree of monetary protection. The objective, therefore, is not to achieve the lowest possible interest rate, but the lowest sufficient interest rate.

For Jordan, the appropriate interest rate is not simply the lowest rate the CBJ can announce. It is the lowest rate capable of preserving confidence in the dinar, the exchange-rate peg and foreign reserves without imposing an unnecessary financing premium on the economy. This issue has become particularly relevant under current conditions.

Jordan today has stronger external buffers than it did during many previous periods. Gross foreign reserves reached approximately $28.4 billion in August 2026, according to the Central Bank of Jordan. The IMF had estimated usable reserves at the end of 2025 at 132% of its reserve-adequacy metric, while dollarization remained low and confidence in the exchange-rate regime remained strong. Real GDP growth also reached 2.93% in the first quarter of 2026.

These indicators do not automatically mean that interest rates should be reduced. They do, however, make the following question legitimate: With buffers this strong, does the dinar require the same interest-rate differential it needed when reserves were weaker, and risks were higher?

The answer can be estimated empirically through what might be called a “time-varying minimum interest-rate differential.” We should not be looking for a single number that applies to Jordan in every year and under every economic circumstance. What matters is the interest-rate differential required by the prevailing economic conditions.

*The author is a former Jordanian Minister of State for Economic Affairs.


Published in Jordan Times/ 19 September 2026

https://jordantimes.com/opinion/yusuf-mansur/the-dinar-and-interest-rates-are-we-paying-more-than-necessary




الدينار والفائدة: هل ندفع أكثر مما يلزم؟

منذ أن ثبّت الأردن سعر صرف الدينار مقابل الدولار عام 1995، أصبحت العلاقة بين أسعار الفائدة الأردنية والأمريكية واحدة من أهم محددات السياسة النقدية. فعندما يرفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة، يواجه البنك المركزي الأردني سؤالًا صعبًا: هل يرفع الفائدة بالمقدار نفسه للمحافظة على جاذبية الدينار، أم أن لديه مساحة (حرية) للتحرك وفق ظروف الاقتصاد الأردني؟

قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه أعمق من ذلك بكثير. فالسؤال الصحيح ليس: هل يجب أن نتبع الفيدرالي أم لا؟ ولا حتى: هل سعر الفائدة في الأردن مرتفع أم منخفض؟ وإنما: ما أقل فرق في سعر الفائدة بين الدينار والدولار يكفي للمحافظة على استقرار الدينار، من دون أن يحمّل الاقتصاد الأردني تكلفة تمويل أعلى مما يحتاج؟

فربط الدينار بالدولار لا يعني بالضرورة أن تتحرك الفائدة الأردنية نقطة بنقطة مع الفائدة الأمريكية. والدليل على ذلك موجود في تجربتنا الأردنية. فقد وجدت دراسة حديثة لصندوق النقد الدولي حول السياسة النقدية في الأردن أن استجابة سعر الفائدة الأردني لتحركات الفائدة الأمريكية كانت أقل من واحد-إلى-واحد، أي أنها لم تتبع تحركات الفدرالي الأمريكي ارتفاعا وهبوطا تماما. ووجدت الدراسة أيضًا أن البنك المركزي كان يستجيب لعوامل محلية، أهمها التضخم وفجوة الناتج (الفرق بين مستوى النشاط الاقتصادي الفعلي ومستواه الممكن). وهذا يعني أن الأردن، رغم تثبيت سعر الصرف، يمتلك قدرًا من المساحة النقدية، وإن كانت هذه المساحة محدودة وغير ثابتة.

تساعدنا هذه النتيجة في فهم نقطة مهمة كثيرًا ما تغيب عن النقاش حول أسعار الفائدة، وهي أن فرق الفائدة المطلوب لحماية الدينار ليس رقمًا ثابتًا. فعندما يكون الاقتصاد في وضع جيد، ومعدلات النمو الاقتصادي جيدة، والاحتياطيات الأجنبية قوية، والثقة بالدينار مرتفعة، والدولرة منخفضة، والتدفقات من السياحة والحوالات والاستثمار جيدة، لا يحتاج الدينار بالضرورة إلى إضافة فائدة كبيرة فوق الدولار. في مثل هذه الظروف، لا تكون الفائدة وحدها هي التي تجعل الناس والشركات يحتفظون بالدينار، فالثقة والاستقرار والنمو وتوفر الاحتياطيات والتدفقات الخارجية كلها تعمل إلى جانب سعر الفائدة.

أما عندما يكون النمو ضعيفًا، وتتراجع التدفقات الخارجية، أو تنخفض الاحتياطيات، أو ترتفع المخاطر وعدم اليقين، فإن المسألة تتغير. عندها يصبح فرق الفائدة أكثر أهمية؛ لأن الاحتفاظ بالدولار قد يصبح أكثر جاذبية، ويحتاج الدينار إلى علاوة أكبر لتعويض المخاطر والمحافظة على الطلب عليه.

العلاقة التي ينبغي أن ننظر إليها ليست: اذا ارتفعت الفائدة الأمريكية يجب أن ترتفع الفائدة الأردنية بالمقدار نفسه،  بل، كلما كانت أساسيات الاقتصاد الأردني أقوى، أمكن المحافظة على استقرار الدينار بفرق فائدة أصغر بين الدينار والدولار. وكلما ضعفت هذه الأساسيات، ازدادت الحاجة إلى علاوة فائدة أكبر. وهنا يجب التنبيه إلى أن النمو ليس العامل الوحيد. فقد يحقق الاقتصاد نموًا جيدًا بينما تتراجع الاحتياطيات أو تتدهور التدفقات الخارجية أو ترتفع الدولرة. ولذلك يجب قراءة النمو مع مجموعة من المؤشرات، وليس منفردًا.

والتاريخ الأردني يقدم تجربة مهمة. خلال الأزمة المالية العالمية في 2008 و2009، خفّض البنك المركزي أسعار الفائدة، لكنه لم يخفضها بالسرعة نفسها التي خفّض بها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي فائدته. ونتيجة لذلك اتسع فرق الفائدة لمصلحة الدينار. وقد أشار صندوق النقد في ذلك الوقت إلى أن هذا الفرق عزز جاذبية الأصول المقوّمة بالدينار وساهم في استمرار تراكم الاحتياطيات.

ثم قام البنك المركزي بتخفيض أسعار الفائدة تدريجيًا مع تحسن الظروف، من دون أن يؤدي ذلك إلى انهيار الثقة بالدينار. بل إن الودائع تعافت، واستمرت حصة الودائع المقومة بالدينار في الارتفاع.

وهذه تجربة مهمة لأنها تقول لنا شيئًا أكثر دقة من القول إن "الفائدة المرتفعة تحمي الدينار". فالفائدة الإضافية تفيد عندما تكون مطلوبة لحماية جاذبية الدينار في الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وتقدم فائدة إضافية محدودة جدا، قد لا نكون بحاجة لها، عندما تكون الاحتياطيات قوية والثقة مرتفعة والاقتصاد قادرًا على المحافظة على الطلب على الدينار بعلاوة أصغر.

ومن هنا يمكن أن نعرّف مفهومًا أكثر فائدة للسياسة النقدية الأردني، وهو" فرق الفائدة المبرّر". وهو الفرق بين الفائدة الأردنية والأمريكية الذي تبرره في كل فترة حالة الاحتياطيات، والنمو، والدولرة، والتضخم، والسيولة، والحساب الخارجي، والتدفقات من السياحة والحوالات والاستثمار، ومستوى المخاطر، ثم نقارن هذا الفرق المبرر بفرق الفائدة الفعلي. فإذا كان الفرق الفعلي قريبًا من الفرق المبرر، تكون السياسة النقدية قد حققت التوازن المطلوب بين حماية الدينار وعدم تحميل الاقتصاد تكلفة غير ضرورية.

أما إذا كان الفرق الفعلي أعلى بكثير من الفرق الذي تبرره الظروف الاقتصادية، ولمدة طويلة، فإن الفرق بينهما يصبح ما يمكن تسميته "علاوة الفائدة الزائدة". وهي علاوة ليست بلا تكلفه، فارتفاع الفائدة ينتقل، بدرجات مختلفة، إلى تكلفة اقتراض الشركات والأسر، ويرفع تكلفة رأس المال العامل والاستثمار والتمويل العقاري، ويمكن أن يبطئ نمو الائتمان. كما أنه يرفع تكلفة إعادة تمويل الدين العام ويؤثر في قرارات المستثمرين. وبالتالي، قد نصل إلى وضع ندفع فيه تكلفة اقتصادية إضافية مقابل حماية نقدية إضافية محدودة وباهتة.

الهدف ليس الحصول على أقل فائدة ممكنة، وإنما الوصول إلى أقل فائدة كافية. فالفائدة المثلى للأردن ليست أدنى فائدة يستطيع البنك المركزي إعلانها، وإنما أدنى فائدة تستطيع المحافظة على الثقة بالدينار وسعر الصرف والاحتياطيات، من دون فرض علاوة تمويل غير ضرورية على الاقتصاد.

وتصبح هذه المسألة أكثر أهمية في الظروف الحالية. فالأردن يمتلك اليوم مصدات خارجية أقوى مما كانت عليه في مراحل عديدة سابقة. فقد بلغت الاحتياطيات الأجنبية الإجمالية نحو 28.4 مليار دولار في أغسطس 2026، وفق بيانات البنك المركزي. وكان صندوق النقد قد قدّر الاحتياطيات القابلة للاستخدام في نهاية 2025 بما يعادل 132% من مقياس كفاية الاحتياطيات لديه، مع بقاء الدولرة منخفضة والثقة بنظام سعر الصرف قوية. كما بلغ النمو الحقيقي 2.93% في الربع الأول من 2026.

هذه المؤشرات لا تعني تلقائيًا أن أسعار الفائدة يجب أن تنخفض. لكنها تعني أن السؤال أصبح مشروعًا: هل يحتاج الدينار في ظل هذه المصدات إلى فرق الفائدة نفسه الذي كان يحتاجه عندما كانت الاحتياطيات أضعف والمخاطر أعلى؟ الإجابة يمكن تقديرها اقتصاديًا للوصول إلى ما يمكن تسميته "الحد الأدنى المتغير لفرق الفائدة". لأننا لا نبحث عن رقم واحد يصلح للأردن في جميع السنوات والظروف. بل نبحث عن فرق الفائدة المطلوب.

نشر المقال في جريدة الرأي الأردنية / 19 أيلول  2026

https://alrai.com/article/10977069/كتاب/الدينار-والفائدة-هل-ندفع-أكثر-مما-يلزم 


Saturday, September 5, 2026

Beyond the Age of Oil: Can Jordan Be Among the Winners?

Dr. Yusuf Mansur*

Oil symbolized economic power and geopolitical influence throughout the twentieth century. Every disruption in oil supply translated into soaring prices, slower global growth, and heightened uncertainty in financial markets. Yet the recent conflict following the U.S. and Israeli military strikes on Iran delivered a different lesson. Despite the disruption of more than ten million barrels of oil per day through the Strait of Hormuz, along with nearly one-fifth of global liquefied natural gas trade, oil prices never reached the levels many analysts had anticipated. Instead, they peaked at around $104 per barrel before gradually retreating.

This does not mean the world escaped the crisis unscathed. Poorer Asian economies bore much of the burden through rising diesel prices and the prospect of higher food costs resulting from disruptions in fertilizer trade. The broader message, however, is that the global economy has become far less vulnerable to oil shocks than it was only a few decades ago.

Several factors explain this resilience, including diversified transportation routes, the use of strategic petroleum reserves, and the reallocation of energy imports. Yet the most significant factor has been the gradual transformation of the global energy mix. Renewable energy—and solar power in particular—has become a central pillar of the world's energy system. Recent reports indicate that renewables have surpassed coal for the first time in more than a century as the world's largest source of electricity generation, while solar power alone accounted for roughly three-quarters of the increase in global electricity demand. Solar's contribution to electricity generation has expanded nearly nineteen-fold over the past decade.

Oil remains the world's most heavily traded commodity, but its relative importance continues to decline. During the oil embargo of the 1970s, petroleum supplied nearly half of global energy demand. Today, according to the International Energy Agency, its share has fallen below 30 percent. This does not signal the end of the oil era, but it does indicate that the world is steadily moving toward a more diversified energy system with less dependence on a single fuel.

The story of solar energy demonstrates that major economic transformations are driven not only by natural resources, but also by visionary policies, innovation, and long-term investment. Since the first practical solar cell was developed in the 1950s, leadership in the industry has shifted from the United States to Japan, then Germany, and ultimately China, which successfully transformed innovation into mass production while dramatically reducing costs. Consequently, solar power has become one of the world's most competitive sources of electricity.

Will we merely observe this transition, or will we become one of its beneficiaries? In my view, Jordan's opportunity may be greater than many realize. If the twentieth century rewarded countries blessed with oil reserves, the twenty-first century may reward those capable of transforming abundant sunshine and wind into high-value industries and exports.

Jordan possesses several competitive advantages that position it well for this transition. It enjoys some of the world's highest levels of solar irradiation, promising wind resources, a strategic logistics hub in Aqaba, and an established phosphate and fertilizer industry. Together, these assets provide a strong foundation for developing a new economy centered on green hydrogen, green ammonia, and their downstream industries. This vision is already beginning to materialize through the approval of Jordan's first major green ammonia investment project in Aqaba, valued at more than US$1 billion, marking the country's entry into the global green fuels market.

However, success will not come simply from having sunshine and wind. Jordan's real competitive advantage lies not in exporting energy itself, but in transforming it into value-added industries. This means developing an integrated industrial ecosystem encompassing green hydrogen production, green ammonia manufacturing, low-carbon fertilizers, energy-intensive manufacturing powered by clean electricity, and advanced logistics and technology services. The greatest economic value will come from factories, supply chains, skilled employment, and high-value exports—not from exporting raw energy alone.

The world has undeniably entered a new era in which oil is no longer the undisputed king of energy markets. The defining question of the coming decades will no longer be who owns the largest oil reserves, but rather who can produce clean energy at the lowest cost and convert it into industries, exports, and quality jobs.

For Jordan, the opportunity is evident, but realizing it requires a clear execution strategy built around five integrated pillars. First, expanding renewable electricity generation to provide internationally competitive energy prices for industry. Second, accelerating green hydrogen and green ammonia projects in Aqaba while integrating them with Jordan's phosphate and fertilizer sectors. Third, establishing green industrial zones capable of attracting low-carbon manufacturing and export-oriented industries. Fourth, investing in research, education, and workforce development to build the human capital needed for the emerging green economy. Finally, forging long-term strategic partnerships with Europe and Asia, which are expected to become among the world's largest importers of green hydrogen and clean fuels over the coming decades.

Success in the transition should be measured by its ability to transform clean energy into higher value-added production, advanced industries, new exports, and highly productive employment. Just as oil formed the backbone of the global economy during the twentieth century, clean energy and green industries could become the defining economic drivers of the twenty-first.

If Jordan succeeds in seizing this moment by providing a stable investment climate and aligning its energy ambitions with a coherent industrial policy, it will not merely follow the global energy transition—it could emerge as one of its principal beneficiaries. In such a future, sunshine and wind will no longer be viewed simply as natural resources, but as strategic economic assets capable of driving growth, raising productivity, expanding exports, creating quality jobs, and placing Jordan on a competitive and sustainable development path for decades to come.

* The writer is a Former Jordanian Minister of State for Economic Affairs.

Published in Jordan Times/ 06/09/2026

https://jordantimes.com/opinion/yusuf-mansur/beyond-the-age-of-oil-can-jordan-be-among-the-winners

ما بعد عصر النفط.. هل يكون الأردن من الفائزين؟

د. يوسف منصور

كان النفط طوال القرن الماضي عنواناً للقوة الاقتصادية والنفوذ الجيوسياسي. وكانت كل أزمة في الإمدادات تعني قفزات حادة في الأسعار، وتباطؤاً في النمو العالمي، وقلقاً في الأسواق المالية. إلا أن الحرب الأخيرة التي أعقبت الهجوم الأمريكي والإسرائيلي على إيران قدمت درساً مختلفاً. فبرغم تعطل مرور أكثر من عشرة ملايين برميل من النفط يومياً عبر مضيق هرمز، إضافة إلى نحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، لم ترتفع أسعار النفط إلى المستويات التي توقعها كثير من المحللين، بل بلغت ذروتها عند نحو 104 دولارات للبرميل قبل أن تتراجع تدريجياً.

ولا يعني ذلك أن العالم خرج من الأزمة دون خسائر. فقد تحملت الدول الآسيوية الفقيرة جانباً كبيراً من الأعباء، مع ارتفاع أسعار وقود الديزل، واحتمال زيادة أسعار الغذاء نتيجة اضطراب تجارة الأسمدة. لكن الرسالة الأهم كانت أن الاقتصاد العالمي أصبح أقل حساسية لصدمات النفط مما كان عليه قبل عقود.

ولم تكن هذه المرة الأولى التي تخطئ فيها التوقعات المتشائمة. ففي عام 2022، وبعد الغزو الروسي لأوكرانيا، توقع بعض المحللين وصول أسعار النفط إلى 380 دولاراً للبرميل، إلا أن ذلك لم يحدث. واليوم، وبعد اضطراب أكبر في الإمدادات، أثبتت الأسواق مرة أخرى أنها أصبحت أكثر قدرة على التكيف.

ويرجع ذلك إلى عدة عوامل؛ منها تنويع مسارات النقل، واستخدام الاحتياطيات الاستراتيجية، وإعادة توزيع مصادر الاستيراد، لكن العامل الأكثر أهمية يتمثل في التحول التدريجي الذي يشهده مزيج الطاقة العالمي. فقد أصبحت الطاقة المتجددة، وعلى رأسها الطاقة الشمسية، عنصراً رئيساً في منظومة الطاقة العالمية. وتشير التقارير الحديثة إلى أن مصادر الطاقة المتجددة تجاوزت الفحم لأول مرة منذ أكثر من قرن في إنتاج الكهرباء، بينما وفرت الطاقة الشمسية وحدها نحو ثلاثة أرباع الزيادة في الطلب العالمي على الكهرباء، وتضاعفت مساهمتها في إنتاج الكهرباء قرابة تسع عشرة مرة خلال العقد الماضي.

ولا يزال النفط السلعة الأكثر تداولاً في العالم، لكن وزنه النسبي يتراجع بصورة مستمرة. ففي سبعينيات القرن الماضي كان يوفر نحو نصف احتياجات العالم من الطاقة، أما اليوم فقد انخفضت حصته إلى أقل من 30%، وفقاً للوكالة الدولية للطاقة. وهذا لا يعني نهاية عصر النفط، لكنه يعني أن العالم بدأ بالفعل ينتقل إلى منظومة طاقة أكثر تنوعاً وأقل اعتماداً على مصدر واحد.

وتوضح قصة الطاقة الشمسية أن التحولات الكبرى لا تصنعها الموارد الطبيعية وحدها، بل تصنعها السياسات والابتكار والاستثمار طويل الأجل. فمنذ تطوير أول خلية شمسية عملية في خمسينيات القرن الماضي، انتقلت قيادة هذه الصناعة من الولايات المتحدة إلى اليابان، ثم ألمانيا، وأخيراً الصين، التي نجحت في تحويل الابتكار إلى إنتاج واسع النطاق وخفضت تكاليف التكنولوجيا إلى مستويات غير مسبوقة. وهكذا أصبحت الطاقة الشمسية اليوم من أكثر مصادر الكهرباء تنافسية في العالم.

لكن السؤال الذي يهمنا في الأردن هو: هل سنكون مجرد متابعين لهذا التحول، أم سنكون من المستفيدين منه؟

الإجابة، في رأيي، أن الفرصة أمام الأردن ربما تكون أكبر مما يعتقد كثيرون. فإذا كان القرن العشرون قد كافأ الدول التي امتلكت النفط، فإن القرن الحادي والعشرين قد يكافئ الدول التي تستطيع تحويل الشمس والرياح إلى منتجات صناعية وصادرات ذات قيمة مضافة.

ويمتلك الأردن عدداً من المقومات التي تؤهله لذلك؛ فهو من أكثر دول العالم تمتعاً بالإشعاع الشمسي، ويملك مناطق واعدة لطاقة الرياح، وموقعاً لوجستياً متميزاً في العقبة، إضافة إلى قاعدة صناعية قائمة في الفوسفات والأسمدة. وهذه العناصر تضع المملكة في موقع مناسب لتطوير اقتصاد جديد قائم على الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء والصناعات المرتبطة بهما. وقد بدأت هذه الرؤية تتحول إلى خطوات عملية، مع إقرار أول مشروع استثماري كبير لإنتاج الأمونيا الخضراء في العقبة، باستثمار يتجاوز مليار دولار، ليكون باكورة دخول الأردن إلى سوق الوقود الأخضر العالمية.

لكن النجاح لن يتحقق بمجرد توفر الشمس والرياح. فالميزة التنافسية الحقيقية لا تكمن في تصدير الطاقة، بل في تحويلها إلى قيمة مضافة. والمقصود بذلك بناء منظومة صناعية متكاملة تشمل إنتاج الهيدروجين، وتصنيع الأمونيا الخضراء، وتطوير الأسمدة منخفضة الكربون، وجذب الصناعات كثيفة الاستخدام للطاقة النظيفة، وإنشاء خدمات لوجستية وتقنية مرتبطة بهذه الصناعات. فالقيمة الاقتصادية الكبرى تكمن في المصانع، وسلاسل التوريد، والوظائف، والصادرات، وليس في تصدير الطاقة الخام وحدها.

لقد دخل العالم بالفعل مرحلة جديدة، لم يعد فيها النفط وحده سيد أسواق الطاقة. ولن يكون السؤال في السنوات المقبلة: من يملك أكبر احتياطيات نفطية؟ بل: من يستطيع إنتاج الطاقة النظيفة بأقل تكلفة، وتحويلها إلى صناعة وصادرات وفرص عمل.

أما بالنسبة للأردن، فإن الفرصة أصبحت واضحة، لكنها تحتاج إلى رؤية تنفيذية. ويمكن أن تقوم هذه الرؤية على خمسة محاور مترابطة: أولاً، التوسع في إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة بما يضمن توفير طاقة تنافسية للصناعة. ثانياً، الإسراع في تطوير مشاريع الهيدروجين والأمونيا الخضراء في العقبة وربطها بصناعات الفوسفات والأسمدة القائمة. ثالثاً، إنشاء مناطق صناعية خضراء تستقطب الصناعات منخفضة الكربون والصناعات التصديرية الجديدة. رابعاً، الاستثمار في البحث العلمي والتعليم والتدريب لبناء الكفاءات الوطنية القادرة على قيادة اقتصاد الطاقة الجديد. وخامساً، بناء شراكات استراتيجية مع أوروبا ودول آسيا، التي ستكون من أكبر المستوردين للهيدروجين والوقود الأخضر خلال العقود المقبلة.

إن نجاح الأردن في هذا التحول لن يقاس بعدد محطات الطاقة الشمسية التي ينشئها، بل بقدرته على تحويل الطاقة النظيفة إلى قيمة مضافة، وصناعات متقدمة، وصادرات جديدة، ووظائف ذات إنتاجية عالية. فكما شكّل النفط أساس الاقتصاد العالمي في القرن العشرين، قد تصبح الطاقة النظيفة والصناعات الخضراء أساس الاقتصاد العالمي في القرن الحادي والعشرين.

وإذا أحسن الأردن استثمار هذه اللحظة، ووفّر بيئة استثمارية مستقرة، وربط مشروعات الطاقة بسياسة صناعية واضحة، فقد لا يكون مجرد متابع للتحول العالمي، بل أحد المستفيدين الرئيسيين منه. وعندها لن تكون الشمس والرياح مجرد موارد طبيعية، بل أصولاً اقتصادية قادرة على توليد النمو، ورفع الإنتاجية، وتعزيز الصادرات، وخلق فرص العمل، ووضع الاقتصاد الأردني على مسار جديد أكثر تنافسية واستدامة لعقود مقبلة.


نشر المقال في جريدة الرأي الأردنية/ 05 أيلول 2026

https://alrai.com/article/10974928/كتاب/ما-بعد-عصر-النفط-هل-يكون-الأردن-من-الفائزين