كتبت قبل عقدين من الزمن عن سميح طوقان وسامي خوري وانجازاتهم من خلال شركة "مكتوب" وشركة "سوق دوت كوم" واللتان بيعتا بمئات ملايين الدولارات، لا لتمجيد هؤلاء الشبان بل للوقوف على الدروس المستقاة من نهجهم وعملهم. واليوم أود أن أقدم بعض الدروس المستقاة من مسيرة أمجد مسعد، مؤسس شركة ريبليت Replit التي تُقدَّر قيمتها بنحو9 مليارات دولار، ويعتبر من أبرز رواد الأعمال العالميين والشخصيات المؤثرة عالمياً في قطاع الذكاء الاصطناعي والبرمجيات. وحصل أمجد في عام 2026 على وسام الملك عبد الله الثاني للتميز تقديراً لإنجازاته.
من هو أمجد مسعد؟ ولد أمجد فوزي مسعد في الأردن عام
1993، وهو ابن المهندس المدني فوزي مساعده نقيب المهندسين الأردنيين السابق. بدى
واضحا ومنذ الصغر شغف أمجد بالبرمجة. درس في جامعة الأميرة سمية للتكنولوجيا قبل
أن ينتقل إلى الولايات المتحدة حيث التحق بجامعة واترلو
لفترة، لكنه لم يكمل دراسته الجامعية، واختار التفرغ
لبناء شركته الناشئة.
كيف بدأت القصة؟ كانت الفكرة بسيطة ولكنها طموحة، تبدأ
بسؤال لا أعتقد أنه بسيط، بل كبير جدا ومعقد، وهو: لماذا تبقى البرمجة حكراً على
المبرمجين المحترفين؟ لاحظ أن إعداد بيئة البرمجة وتشغيل الأكواد يمثلان عقبة أمام
كثير من المبتدئين. لذا، قرر مع شريكيه هيا عوده (مهندسة برمجيات أردنية، ومؤسس
رئيسي، وهي أيضاً زوجة أمجد مسعد)، وفارس مسعد (شقيق أمجد، ومن المؤسسين الأوائل
للشركة أيضاً) إنشاء منصة تسمح لأي شخص بكتابة البرامج وتشغيلها مباشرة من المتصفح
دون الحاجة إلى تثبيت برامج معقدة.
وهكذا ولدت شركة ريبليت، كمنصة تستهدف الطلاب
والمبرمجين في البداية، وتطورت لاحقاً إلى منصة متكاملة تعتمد على الذكاء
الاصطناعي، بحيث يستطيع المستخدم وصف التطبيق الذي يريده باللغة الطبيعية، بينما
يتولى الذكاء الاصطناعي كتابة جزء كبير من الشيفرة البرمجية.
كيف تَحولت ريبليت من شركة صغيرة إلى شركة عالمية تُقيّم
ب 9 مليار دولار، وقد تصل قيمتها إذا طرحت للاكتتاب بحسب بعض التقديرات الى 20
مليار دولار لتصبح ثروته ما يقارب 4 مليار مليار دولار، وأكثر من ذلك حين احتساب
ملكية زوجته. للإجابة يمكن تقسيم رحلته إلى خمس مراحل رئيسية:
1. الشغف المبكر:
لم يبدأ بدافع تأسيس شركة، أو لأنه لا يجد فرصة للعمل، بل بدافع
حب البرمجة وحل المشكلات. الدرس هنا أن الشركات الكبرى تبدأ غالباً من
شغف حقيقي، وليس من البحث عن الثراء السريع.
2. اختيار مشكلة عالمية:
لم يختر مشكلة محلية أو محدودة، بل اختار مشكلة يواجهها ملايين
المبرمجين حول العالم (صعوبة تعلم البرمجة، تعقيد بيئات التطوير، الحاجة إلى
التعاون عبر الإنترنت). الدرس هنا: كلما كانت المشكلة عالمية، كان السوق أكبر.
3. الاستمرار في التطوير: لم تبقَ
ريبليت مجرد محرر أكواد،
بل تطورت باستمرار من خلال العمل السحابي والتعاون بين الفرق، والذكاء الاصطناعي،
وتحويل الأفكار إلى تطبيقات. الدرس المستقى هو: أن النجاح لا يأتي من الفكرة
وحدها، بل من تطويرها المستمر. وكما قال الاقتصادي وعراب التنافسية في العالم،
مايكل بورتر، يجب أن تعمل 24 ساعة في اليوم لكي تبقى موجودا في السوق، وإلا ستغلق الأبواب.
4. الاستفادة من موجة الذكاء الاصطناعي فظهور
النماذج اللغوية الكبيرة، لم يعتبر تهديداً، بل فرصة نجاح حيث تحولت الشركة
إلى واحدة من أوائل المنصات التي تسمح ببناء التطبيقات
باستخدام اللغة الطبيعية. والدرس هنا: عندما تتغير التكنولوجيا، لا
تدافع عن النموذج القديم، بل أعد ابتكار نفسك.
5. التفكير العالمي منذ البداية، فالسوق الأردني لم
يكن هو الهدف، بل كان المنتج موجهاً منذ اليوم الأول للعالم.
يستخدم البرنامج
اليوم ملايين المطورين والطلاب في عشرات الدول. الدرس: أن الانترنت فتح للمبدعين العالم
بأجمعه، لذا لا تحصر نفسك وحلمك في حدود جغرافية صغيرة.
يمكن تلخيص القصة فيما يلي: المهارة أهم من الشهادة
وحدها، فلقد تعلم أمجد البرمجة مبكراً، واختار مشكلة حقيقية لتكون حجر الأساس في
تأسيس ريبليت، وبنى المنتج قبل البحث عن التمويل ثم جذب المستثمرين، وتكيف مع
التكنولوجيا الجديدة في التحول إلى الذكاء الاصطناعي، كما أن بداية التفكير كانت عالمية
منذ البداية للوصول إلى تقييم بمليارات الدولارات.
أعتقد أن مسيرة أمجد مسعد مع شركة ريبليت تقدم خمس
رسائل مهمة لصانعي السياسات أيضاً، وليس فقط لرواد الأعمال، وهي: أولا، إن رأس المال البشري
أهم من الموارد الطبيعية، فنجاحه لم يعتمد على النفط أو المعادن، بل على المعرفة
والبرمجيات، ولبيئة المؤسسية. ثانيا، الجامعات يجب أن تكون منصات للابتكار فدور
الجامعة لا يقتصر على منح الشهادات، بل على تخريج مؤسسين لشركات عالمية. فدور الحاضنات في الجامعات
أساسي، وطرق التعليم التي تواكب العصر بفرصه وتحدياته شرط حيوي وضروري لخلق
المجتمع الريادي. ثالثا، الاقتصاد الرقمي يتيح للشركات الأردنية الوصول
إلى الأسواق العالمية دون المعيقات الجيوسياسية التي توجهها صناعات البضائع
واقتصاديات الحجم (الكم)، فشركة برمجيات صغيرة يمكن أن تخدم ملايين المستخدمين دون
الحاجة إلى مصانع ضخمة أو أسواق محلية كبيرة.
رابعا،
الاستثمار الحكومي في الذكاء الاصطناعي ضرورة، فاالتقنيات الجديدة ليست تهديداً،
بل فرصة لبناء شركات ذات قيمة مضافة عالية. وخامسا، التفكير العالمي مهم منذ البداية، فكثير من الشركات
الناشئة تبدأ بالسؤال: "كيف أبيع في الأردن؟"
أما أمجد مسعد فبدأ عملياً بالسؤال:
"كيف
أبني منتجاً يحتاجه العالم كله؟" وهذا أحد أهم أسباب نجاحه.
الدرس الاقتصادي الأهم: لا تكمن أهمية قصة أمجد مسعد (من
منظور اقتصادي محض) في أن شركته وصلت إلى تقييم مرتفع، بل في أنها تجسد القدرات
الكامنة في اقتصاد المعرفة، حيث تُخلق القيمة من الأفكار والبرمجيات والابتكار
أكثر مما تُخلق من الأصول المادية. وهي رسالة مهمة للأردن: فالاستثمار في التعليم،
والمهارات الرقمية، والبحث والتطوير، وريادة الأعمال كلها عوامل يمكن أن تولد
شركات عالمية، تنبع وتزدهر حتى في دولة تعاني من حدة الموارد الطبيعية.
نشر المقال في جريدة الرأي الاردنية/ 02 آب 2026
https://alrai.com/article/10969697/كتاب/دروس-من-ملياردير-أردني