Tuesday, February 23, 2021

من أجل رؤية لاقتصاد الأردن 22 فبراير 2021

 

إن ثنائية السياسة الاقتصادية منذ عقد من الزمان والمتمثلة في الاقتراض للوفاء بالالتزامات المالية الناجمة عن النفقات الجارية والتضحية بالإنفاق الرأسمالي سياسة فاشلة. لماذا؟ لأنها لم ولن تؤدي إلى نمو اقتصادي. ومن ثم، سيأتي المستقبل بالمزيد من التراجع في الأداء. من الواضح أن هناك حاجة إلى تحول في النموذج الاقتصادي المتبع. يوفر النموذج التالي (الأفكار المعروضة هنا مستوحاة من كتابات العديد من الاقتصاديين البارزين، ولا سيما ماريانا مازوكاتو) طريقة عمل بديلة.

أولاً وقبل كل شيء، يجب على المشرفين على الاقتصاد أن يفهموا تمامًا بل وأن يؤمنوا بأن الاقتصاد نظام معقد يحرك إطاره وتكوينه واتجاهه التغيير المستمر والتطورات والتغذية المرتدة الديناميكية. وأن كل تغيير مهما كان صغير قد يؤدي إلى العديد من التداعيات وردود الفعل والتغييرات التي هي بطبيعتها معقدة وديناميكية.

بمجرد أن يبدأ الإيمان بهذه الفكرة ويترسخ، لا يمكن أن تكون القرارات التي تؤثر على الاقتصاد قرارات سهلة وسريعة وأحادية الاتجاه، أو أن تخرج من كل جهة وكأنها مستقلة عن نمطية أن الاقتصاد مترابط فيكون جل اهتمام المسؤول عمل ومصالح وزارته أو قطاعه متناسيا التبعات الخارجية والممتدة للقرار، أو أن تكون القرارات غير مدروسة وهناك العديد من الأمثلة على ذلك. بدلاً من ذلك، يجب أن يقود  القائمون على الاقتصاد عملية الابتكار والنمو ، وأن تمكن قراراتهم تحولات مفيدة وإيجابية على مستوى المجتمع ككل.

ثانيًا، يجب على صانعي السياسات تجاهل المصطلحات والأدوات التحليلية البالية كالميزة المطلقة (لدي موارد لإنتاج سلعة أكثر من الآخر ، لذلك سأنتجها واتخصص فيها فقط، والميزة النسبية (كلفة الفرصة لدي أقل نسبيًا من الآخر، لذلك سأنتج واتخصص في هذا المنتج)، وتحليل التكلفة والعائد وهي أداة ساذجة جدًا (تكلف شبكة السكك الحديدية للركاب والبضائع أكثر مما ستدره من الإيرادات المباشرة ، لذلك فلننسى هذا المشروع). أشارت ماريانا مازوكاتو مؤخرًا: لو اعتمدت كوريا الجنوبية على ميزتها المطلقة لتخصصت في إنتاج الأرز بدلاً من أن تصبح الدولة الأكثر ابتكارًا في العالم خلال السنوات الست الماضية.

بدلاً من ذلك، يجب أن نفكر من خلال إطار الميزة التنافسية (إرادة الأمة ودوافعها، وبغض النظر عن قيود الموارد الحالية، تُمكّنها من أن تصبح قادرة على المنافسة في المستقبل وأن تنتج منتجا ما رغم شح الموارد). وحتى الميزة التنافسية لن تنجح إذا لم تقترن بل وترتكز على رؤية تدعم الابتكار وزيادة تعقيد (المحتوى المعرفي) وحذاقة المنتج.

ثالثًا، يجب على صانعي السياسة إيلاء اهتمام أقل للدعوات الليبرالية بأن تكون الحكومة مجرد مراقب خارج السوق. يجب عليهم التركيز بدلاً من ذلك على جعل القطاع العام أكثر فعّالية في قيادة التغيير. قد تبدو هذه التوصية لأول وهلة شيئا مستهجن، ولكن المتصفح لتاريخ التنمية في العالم سيجد أن التنمية اعتمدت الحكومة شريكا أساسيا وقائدا للتغيير. فالحكومة هي المستثمر الأول (وليس مستثمر الملاذ الأخير) الذي يخلق مساحة للقطاع الخاص للتقدم من خلال الابتكارات والاختراعات؛ وهو المروّج للتغييرات الإيجابية التي تؤدي إلى نتائج مفيدة ومحتوى معرفي أكبر في المنتجات. بعبارة أخرى، يجب إعادة صياغة دور الحكومة ليكون أكثر شبهاً بدور حكومات الاقتصادات التي تحركها الرؤى الثابتة والمدعّمة بموارد القطاع العام مثل كوريا الجنوبية وألمانيا وفنلندا وسويسرا، وهي الاقتصادات الأربعة الأكثر ابتكارا في العالم. فتحديد الاتجاه يعد أمرًا حيويًا للاقتصادات التي ترغب في المضي قدمًا.

 اعرض هنا بعض الأمثلة عن الحكومات التي أحدثت تغييرًا إيجابيًا من خلال دعم البحوث والابتكار. شركة أبل، التي بلغت قيمتها أكثر من 2 تريليون دولار في عام 2020، لم تكن لتصبح ما كانت عليه لولا ثلاثة اختراعات (الإنترنت والشاشة التي تعمل باللمس ونظام تحديد المواقع العالمي) مولتها الحكومة الأمريكية. وكانت شركة سامسونغ ستصبح شركة ملابس لولا تمويل من الحكومة الكورية الجنوبية، والقروض ميسرة ودعم لكافة حلقات سلاسل الامداد. وبدأت شركة هواوي الصينية، عملاق الاتصالات الأكبر في العالم ورائد الجيل الخامس في الاتصالات الخلوية، برأسمال قدره 5000 دولار، ولم تكن لتصبح على ما هي عليه اليوم (تفوقت مبيعات هواتفها الذكية على سامسونج وأبل في عام 2020) لو لم تمنحها الحكومة الصينية عطاء حكومي كريم بقيمة 10 ملايين دولار للبدء في مجال الالكترونيات. وكانت حكومة الولايات المتحدة، التي تحتل اليوم المرتبة 11 من بين الاقتصادات الأكثر ابتكارًا ، من خلال تمويلها للأبحاث، وراء العديد من المنتجات التجارية التي نستخدمها اليوم؛ منها على سبيل المثال لا الحصر: مصابيح LED ، الهواتف الذكية، التصوير بالرنين المغناطيسي، رقائق الكمبيوتر الدقيقة، الإنترنت، برامج محاكاة الكمبيوتر، لقاح موديرنا، انتاج طاقة الرياح الحديثة، وأيضا، حليب الأطفال المخصّب (الفورميولا). أنفقت هذه الحكومات على البحث واستفاد من النتائج القطاع الخاص من خلال تطوير نتائج وثمار البحوث إلى منتجات تجارية كيف استفادت الحكومات؟ هذا الدعم لا يذهب هباء بل يعود للدولة مع ارتفاع دخل واستهلاك مواطنيها (فلنتذكر دائما، إذا كان الشعب ثريا، فكذلك تكون الحكومة، والعكس صحيح).

رابعًا، إعطاء الأولوية للنفقات الرأسمالية (بدلاً من التضحية بها) في الموازنة لتحديد اتجاه التغيير اللازم، واستخدام جميع الأدوات المتاحة للحكومة لدفع الاقتصاد من خلال زيادة الإنتاجية والابتكار والبحث والتطوير والقيمة المضافة وبالتالي المرونة الاقتصادية ليس للشعب فقط بل وللحكومة أيضا. نعم، موازنة الحكومة الحالية ومنذ عقود مقيدة بالتزامات النفقات الجارية مثل الرواتب والمعاشات وخدمة الديون. إذا لم تحدث صدمة خارجية إيجابية، فستستمر هذه النفقات في النمو بشكل أسرع من الناتج المحلي الإجمالي في ظل الفكر والتوجه القائم. فما هو الحل؟ الاقتراض وتحمّل المزيد من الديون لزيادة المحتوى المعرفي في المنتج كمهمة حكومية أساسية واستخدم جميع الأدوات المالية والنقدية لدفع التغيير وإحداثه. ولنستخدم خططًا تحث على التغيير تختلف من مساق لآخر فالاقتصاد معقد ولا يوجد حل واحد مناسب للجميع. ولأصحاب القرار نقول، لا تختاروا رابحين وخاسرين، بدلاً من ذلك، اختاروا اتجاهات التغيير واستخدموا القوة الكاملة للأدوات الحكومية لإنشاء مشاريع تحث على الحلول بمشاركة الجهات المختلفة الراغبة.

فلنبدأ التغيير وبرؤية متطورة!

Jordan as a driven economy 22 Feb 2021

The decade-old twin economic policy of borrowing to meet current fiscal obligations, and the sacrifice of capital spending in the process does not work. Why? They do not, have not and will not lead to economic growth. Hence, the future may hold more of the same, literally. Obviously, an economic paradigm shift is needed. The following paradigm provides an alternative modus operandus. The ideas presented herein are gleaned from the writings of many prominent economists, particularly Mariana Mazzucato. 

First and foremost, the overseers of the economy must fully understand and believe that the economy is a complex system whose framework, configuration and direction are driven by constant change, evolvements and dynamical feedbacks. Every small change can lead to many ramifications, reactions and changes that are by their very nature complex and dynamic. Once the idea sets in, economy impacting decisions cannot be simple (unidirectional and fly-by-night types), dichotomous (I mind my shop/ministry and you mind yours), or unstudied (there are many examples of those). Instead, they must drive innovation and growth, and lead to socially advantageous transformations. 

Second, policy makers should ignore the now mundane terms and analytical tools of the past such as absolute advantage (I have the resources to produce more efficiently than the other so I will produce X), comparative advantage (I have less of an opportunity cost relative to the other so I will produce product X), and the ever so naïve tool of cost-benefit analysis (a passenger and cargo railway network costs more than it would generate in direct revenues, thus forget it). Mariana Mazzucato recently pointed out: Had South Korea relied on its absolute advantage it would have specialized in rice production instead of becoming the most innovative country worldwide for the past six years. Instead, think competitive advantage (the will and drive of nation, regardless of current resource limitations, enable it to become competitive in the future and produce X). Even competitive advantage will not really work if not coupled with and focused upon a vision of innovation and product complexity.  

Third, policy makers should give less attention to the liberal diatribe whereby the government is simply a lame observer of the market. They must focus instead on making the public sector more effective in driving the change. Sounds like a strange precept? Not really, development history shows that the government is the partner that leads the change; it is the first investor (not the investor of last resort) that creates the space for the private sector to forge through with innovations and inventions; and it is the promoter of positive changes that lead to beneficial consequences and greater product complexities. In other words, the government role must be recast to be more like that of the governments of mission-driven economies: South Korea, Germany, Finland and Switzerland. Direction-setting choices are vital for today’s economies that want to move ahead, and small visionary changes have had throughout history lasting consequences. 

Let’s share some examples of governments causing positive change. Apple, worth over $2 trillion in 2020, would not have become what it is had it not been for three inventions (Internet, touch screen and GPS) that were funded by the US government. Samsung would have been a textile company if it had not been for the South Korean government funding, low interest loans, and subsidies. Huawei, the communication giant, started with a capitalization of $5000, and would not have become what it is today (in 2020 its smart phones outsold Apple and Samsung) if the Chinese government contract had not provided it with a $10 million government contract to start it off. The US government, currently ranked 11 among the most innovative economies, has been, through its funding of research, behind many of the commercial products we use today; to mention a few: LED lights, smart phones, MRI, microchips, Internet, computer simulation software, Siri, Moderna vaccine, modern wind energy, and, yes, enriched infant formula. These governments spent on research (the R in R&D) and availed the findings to the private sector to develop (the D in R&D) into commercial products. 

Fourth, prioritize (instead of sacrifice) capital expenditures in the budget to set the direction of change and use all the tools available to government to drive the economy into greater productivity, innovation, R&D, value added, and resilience.  Yes, the government budget is shackled by current commitments and obligations such as salaries, pensions, and debt servicing. Bar a positive external shock, these outlays will continue to grow faster than the GDP under the current thinking and direction. So, what is the solution? Borrow and assume more debt to grow product complexity in a mission-driven approach. Use all tools, fiscal and monetary to drive and cause the change.  Use different plans, the economy is complex, and there is no one solution that fits all. Do not pick winners and losers; instead, choose directions for change and use the full power of government instruments to create projects that prompt solutions from diverse willing actors.

Let’s start the change!

https://www.jordantimes.com/opinion/yusuf-mansur/jordan-driven-economy

Sunday, February 14, 2021

البيتكوين 14 2 2021

 


دُعيت قبل ايام للحديث في برنامج على الراديو عن العملة الرقمية (البيتكوين Bitcoin) ورغبة البعض في الأردن بالاستثمار في هذه العملة، وبناءً عليه قررت كتابة هذا المقال المختصر حول ما ذكرته في اللقاء.

كان أول من انتج هذه العملة الرقمية المدعو (ساتوشي ناكوموتو) وهو اسم مستعار لشخص كتب شيفرة العملة الرقمية في عام 2007 وسجل موقعاً الكترونياً في عام 2008 وصف فيه عملة رقمية اسماها (بيتكوين كنظام نقدي الكتروني من نظير الى نظير أو من ندٍ الى ندٍ دون وسيط) تعتمد ما أسماه سلسلة الكتل Blockchain. ثم اطلق بالتعاون مع آخرين في منتصف 2010 هذه العملة. وحتى تاريخه لا يعلم أحد بشكل مؤكد هوية ناكموتو الحقيقية، ورغم وجود عدة أسماء محتملة فلا أحد يعرف من هو بشكل مؤكد.

حين خرجت هذه العملة الى حيز الوجود في العام 2010 كان سعرها 0.008  سنت امريكي، وخلال عام بلغت قيمة البيتكوين الواحدة (8 سنت) ، ثم ارتفعت الى (67 سنت) في الثلث الاول من عام 2011، لتصل في نهاية عام 2015 الى (327 دولار) للعملة الواحدة، وتقبّل التعامل بها حوالي 100 الف شخص ومؤسسة حول العالم من المنتجين والتجار. وفي عام 2016 اعترف بها اليابان وجنوب افريقيا، وكُتبت مجموعة من البحوث حول شرعيتها، كما قام نظام سكة الحديد السويسري بتحديث أجهزة شراء التذاكر لديه ليستطيع الشخص شراء البيتكوين من خلاله. ثم بدأت البيتكوين بالانتشار الواسع في عام 2017 مع تقبل العديد لها، واستمر سعرها بالارتفاع وبمعدلات تذبذب كبيرة، وشهدت تقلبات كثيرة في السعر حيث وصل سعرها في عام 2014 الى 530 دولار، وقاربت 20 الف دولار في 12 ديسمبر2017، ثم هبطت بعد خمسة ايام الى 13,800 الف دولار وعادت لتهبط في فبراير 2018 الى 6200 دولار، ثم انخفض سعرها بنسبة 50% أخرى في ديسمبر 2018 ليصل الى 3300 دولار وعاد للارتفاع ليصل الى 11,000 الف دولار في يوليو 2020، واستمر بالصعود الى 28,000 الف دولار في ديسمبر 2020. وفي الأسبوع الأول من يناير2021 كان سعر البيتكوين 34,800 الف دولار ليرتفع خلال خمسة ايام الى 41,973 الف دولار، ثم هبط الى 33,400 الف خلال ثلاثة ايام ثم عاد للارتفاع ليصل في وقت كتابة هذا المقال الى 48,879 الف دولار او 34,658 دينار اردني بعد أن أعلن رئيس شركة تيسلا، ايلون مسك، في 8 فبراير 2021 أن الشركة استثمرت 1.5 مليار دولار في البيتكوين.

 من الواضح ان هذه العملة هي عملة مضاربة بحتة لذا أسماها البعض فقاعة عمرها 12 عام. واصبح من المتعارف عليه، بل والواضح جدا، أن البيتكوين عملة بلا قيمة جوهرية تقوم كليا على المضاربة قيمتها ما يقرره السوق. أيضا، من الجدير بالذكر أن من الممكن انتاج (تعدين) هذه العملة غير ان كلفة تعدينها (إيجاد حلول لألغاز حسابية باستخدام معدات رقمية كثيفة الاستهلاك للطاقة) تزداد صعوبة مع انتشارها. وكلما ازداد عدد هذه الوحدات فان كلفة تعدينها ترتفع حيث يكلف من الطاقة حالياً انتاج بتكوين واحدة ما يعادل الطاقة اللازمة لانارة مدينة صغيرة ليوم واحد. وسيصل عددها كحد اقصى الى 21 مليون وحدة وهو ما كان قد أعلنه ناكوموتو حين أطلق هذه العملة. أيضا، البيتكوين ليست العملة الرقمية الوحيدة فهنالك ما يزيد عن 4000 عملة بأسماء وأسعار مختلفة.  

هنالك عدة مشاكل في المضاربة على البيتكوين، أهمها انها عملة خاضعة للمضاربة الصرفة وتقلباتها كثيرة وعميقة. كما انه لا يوجد لسعرها نقطة توازن واحدة، بل هنالك عدد لا نهائي من التوازنات غير المبنية على أسس، أي لا تعتمد المؤشرات الاقتصادية التقليدية كأرقام البطالة، سعر الفائدة، التضخم، الثقة بالاقتصاد، معدلات النمو، تدفق الاستثمار، وغيرها، فيهبط ويرتفع السعر فيها بشكل لا نهائي. وبينما يوجد عدد لا نهائي أيضاً من نقاط التوازن للعملات المتداولة، غير أن أسعار العملات التقليدية تعتمد الى حد ما على المبادئ الأساسية في التداول.

البيتكوين عملة غير معترف بها في الأردن ولا يمكن التداول بها رسميا حسب تعليمات البنك المركزي الأردني، غير أن حيازتها لا يعتبر جرماً يعاقب عليه القانون، وهنالك من اشتراها ويتعامل بها. ولكن مخاطر البيتكوين وغيرها من العملات الرقمية أو الالكترونية كثيرة كما ذكرت أعلاه فهي قابلة للتقلب بنسب هائلة، مما يعني أيضاً أن سعرها قد يتفجر الى ما لا نهاية أو ينهار الى الصفر في لحظات. لذلك على من يرغب أن يتعامل بها استخدام مال يحتمل ان يخسره ولن يندم كثيراً على فقدانه.

 

المناعة الاقتصادية 14 2 2021

 


عطّلت جائحة كورونا الكثير من سلاسل إمداد السلع (منظومة من المؤسسات والبشر والتقنيات والأنشطة والمعلومات والموارد اللازمة لنقل المنتجات أو الخدمات من المُجهّزين إلى العملاء) في العالم وأثرت في صادرات السلع عالميا، مما قد يؤدي الى انتقال ما يقارب من 3 الى 5 تريليون دولار من الصادرات السلعية من دول لأخرى وبنسبٍ مختلفة حسب أنواع الصناعات خلال الخمس سنوات القادمة. كما تأثرت سلاسل الإمداد في الأردن محليا وبشكل كبير مما كبح العرض والطلب في الأردن كدولة مستوردة بالأساس تفوق وارداته ثلاث أضعاف صادراته لأن غالبية ما تنتجه الصناعات التحويلية في الاردن كالصناعات الغذائية وغيرها يستهلك محلياً ولا يصدر منه إلا النزر اليسير.

سلاسل الإمداد في الأردن مرتبطة بمليارات الدنانير في الاستثمارات والاف العلاقات والشركات المتخصصة وجغرافياتٍ متنوعةٍ وشبكاتٍ تتعدى المحلية، والأردن منكشفً للعديد من المخاطر الخارجية كإغلاق الحدود (مثل ما حصل مع سورية والعراق) وانقطاع المساعدات او شُحّها وتقلبها من سنة لأخرى، وانقطاع الغاز المصري في عام 2011 مما أدى لرفع سعر الوقود والطاقة لسداد دين الحكومة (والذي لم يسدد حتى الآن)، والحروب والأزمات في المنطقة وما ينجم عنها من تدفقات بشرية والحاجة الى المساعدات. وهي مخاطر يجب ان تكون ضمن إطار وتفكير ووعي صانعي السياسات الاقتصادية ويجب ان يتوقعها المخططون مسبقا ويُمكّنوا جاهزية الاقتصاد للتعامل معها، ووضع الحلول والإجراءات قبل أن يواجه الأردن تحديات جديدة.

يضاف الى ذلك، ان الجائحة أجبرت المصنعين والمستوردين والمصدرين على النظر بعمق الى صحة وامن العمالة فيها، وانكشفوا للمصاعب اللوجستية ولنقص المواد والمعاناة من القفزات غير المتوقعة هبوطاً وارتفاعاً في الطلب ومشاكل السيولة سواء من حيث الحصول على التمويل أو التمويل بأسعار فائدة مرتفعة. وهي مشاكل يتم التباحث فيها عالمياً. وجد معهد ماكينزي للدراسات العالمية ان شهر من التعطل سيحدث كل 3.7 سنة، وسيؤدي الى تكاليف مالية كبيرة، وقد تخسر الشركات في كل 10 سنوات 40% من ربحها السنوي، كما أن أي صدمة عميقة تمتد لمائة يوم قد تزيل كافة أرباح المؤسسات الإنتاجية. وكما في باقي دول العالم، فمناعة المنتجين في الأردن مهمة جدا لاستمرار الاقتصاد.

تعيد بصمة الجائحة تشكيل الاقتصاد الوطني بشكل كبير مما يجب أن يدعو الجميع للتفكير بجديةٍ في منظومة الاردن الاقتصادية والمنطق الناظم لها وفي دور الحكومة كشريكٍ فاعلٍ وايجابي الأثر والتأثير. وبينما كان الناصحون من المانحين للأردن والمحللون المحليون (ومنهم الكاتب) لعدة سنوات يقولون بأن المنافسة من خلال العمالة القليلة الكلفة لا تكفي لوضع الأردن على خارطة العالم الاقتصادية، وأن على الاردن ان يزيد من انتاجيته وينمي المهارات فيه وتحسين جودة ونوعية الإنتاج، فإننا الآن وبعد الازمة الاقتصادية التي اوجدتها جائحة الكورونا نطالب بأن تحتوي لائحة التوصيات على زيادة منعة ومناعة الاقتصاد مما يتطلب تقييم مدى تعرض الاقتصاد الاردني للمخاطر ومعرفة مدى هشاشة سلاسل الإمداد لمخاطر الجائحة وغيرها وبناء القدرات المحلية لتقوية كل حلقة من حلقات هذه السلاسل لكي تكون أكثر قدرة على تحمل مثل هذه المخاطر وتفادي عواقبها.

Wednesday, February 10, 2021

من أجل بناء اقتصاد أفضل 10 2 2021

 

من أجل بناء اقتصاد أفضل

تحدثت قبل أيام على شاشة تلفزيون المملكة حول الخطة الاقتصادية لحكومة الدكتور الخصاونة، وكان محور ما قلته حول أننا لا نحتاج الى خطط النمو العادية والمعتادة كما في السابق، فقد مر الاقتصاد والمجتمع الأردني والنظام الصحي بأكمله بأزمةٍ خانقةٍ في العام الماضي، وهي لا زالت مستمرة وسيبقى أثرها حسب توقعات البنك الدولي وغيره للسنوات الخمس القادمة على الأقل. وأصريت في تلك المقابلة على أن ما نحتاجه هو التفكير والعمل على بناء اقتصاد أفضل بحيث يكون أكثر مرونة وأكثر قدرة على الاستمرار في ظل الأزمات الحالية والقادمة.

تحدث كبار الاقتصاديين في العالم في مبدأ خلق قدرات المرونة والمقاومة الاقتصادية ودور القطاع العام والقطاع الخاص والقطاع المدني بحيث تضع الحكومة نصب عينيها بأن تعافي الأُسر (سواء من كان دخلها من السوق المنظم أو غير المنظم) والمجموعات السكانية هو الطريق إلى عودة النشاط الاقتصادي ورفع وتيرة النمو نحو التنمية ومعالجة أزمة الحكومة المالية المستمرة.

ويجب أن تدرك الحكومات، ومنها الحكومة في الاردن، أن على التعافي المطلوب أن يحقق العدالة في توزيع الدخل، ليس لأنه متطلب إنساني أو أخلاقي فحسب، بل من منطلق اقتصادي بحت أكدت عليه آلاف الدراسات العلمية وخاصة في العقود الثلاثة الماضية. فأي نمو يؤدي الى زيادة التباعد بين شرائح الدخل المختلفة سيؤدي حتما الى عدم الاستقرار وسيهدد استمرارية النمو على المدى البعيد، ويُبعد الاقتصاد عن التنمية بكافة مفاهيمها، فيقلص النمو غير المتوازن المكاسب من دخل الحكومة من الضرائب والرسوم على النشاط الاقتصادي. ومن هذا المنطلق، يجب العمل مع منظمات المجتمع المدني المحلي والمنظمات الدولية كالأمم المتحدة والبنك الدولي وغيرها من المؤسسات المحلية والدولية للحصول على معلوماتٍ جيدةٍ ودقيقةٍ ووضع النماذج القياسية والعمل على التخطيط لمرحلة التعافي الصحي والاجتماعي والاقتصادي. كما أنه، وفي ظل عدم وجود الإدارة والحوكمة والتنمية المحلية بفحواها المطلق في الاردن، فلابد من الاعتماد بشكل أكبر على المجتمع المدني.

وبادئا ذي بدء، يجب إيجاد الظروف اللازمة لإنجاح الأعمال ليس من منظور الكفاءة والإنتاجية فحسب لأن إعادة بناء الاقتصاد بشكل أفضل يتطلب أن نجعل المجتمعات أكثر أمناً من خلال تقليل المخاطر وزيادة مناعتها ومرونتها. فيتم مثلاً الإقراض بفوائد مُخفضةٍ أو إعادة جدولة الديون لكبار الشركات التي تأثرت بشكل أقل من تلك الشركات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة كما يحدث حين تصدر التعليمات غير المصحوبة بتعليمات مفصلة ورقابة دقيقة، بل بالتركيز على إقراض صغار المستثمرين لتمكينهم من تقليل مخاطر الإغلاق وتسريح العمالة والخروج من السوق بشكل نهائي، فالشركات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة الحجم تشكل 99.6% من الشركات في الاردن. كما يجب مراعاة الاقتصاد غير المنظم ومساعدته من خلال توجيه المعونة لأصحاب الأعمال أو للعاملين فيه فهو يشكل أكثر من 40% من الاقتصاد الوطني حسب دراسات منظمة العمل الدولية.

ولابد من العودة عن التفكير بأن دور الحكومة (في ظل وحسب برامج الإصلاح التي اعتمدتها مع صندوق النقد الدولي) لا يعدو أن تكون  مراقب للاقتصاد ومنظم أبوي لأنشطة القطاع الخاص لا يُحفّز الريادة وبناء نشاط ومستقبل الأمة. فابتعاد الحكومة عن تكوين شراكة فاعلة مع القطاع الخاص فكر بالٍ قديم ومستهلك بل ومتخلف لا مكان له اليوم. الحكومة ليست مشاهد عن بعد أو مقرض الملاذ الأخير، بل هي المستثمر الاول ومدير الاقتصاد الذي يتوقع المصاعب والمآزق قبل أن تحدث وليس معالج لها بعد وقوعها وتفشيها.

Thursday, December 31, 2020

قطاعات وعمالة، وكورونا 31 12 2020

 


عانى الكثيرون من الانكماش الاقتصادي في الأردن مع إغلاق البلد لشهور عديدة في العام 2020، وخاصة أن الجائحة أتت مع أطول فترة انكماش في ذاكرة الأردن الحديث.  حيث تبلغ الخسائر الناجمة عن فيروس الكورونا في الأردن، حسب توقعات البنك الدولي، حوالي 8.2٪ من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2020، وهو رقم رغم أهميته، فإنه يخفي حقيقة أن الضرر لم يوزع بالتساوي على كافة القطاعات وفئات المجتمع، مما يدعو للتفكير فعلا، إن لم يتم ذلك الى حد الآن، في سياسات خارج الصندوق. 

كان هناك إجراءات حكومية في الأردن ساعدت على تخفيف وطء شبه التوقف في النشاط الاقتصادي، حيث وسّعت الحكومة في الأردن برامج المساعدة الاجتماعية (تكافل)، بما في ذلك مدفوعات إضافية مؤقتة لـCOVID-19، وقدّمت مدفوعات نقدية مؤقتة إلى 190 ألف عامل غير رسمي لم يكونوا من المستفيدين الحاليين من الحماية الاجتماعية، وقدمت الدعم العيني في توزيع المواد الغذائية، وقدمت وزارة العمل إجازة مدفوعة الأجر لمدة أسبوعين للعاملين في القطاع العام، وسمحت للشركات الخاصة بتخفيض مساهماتها في الضمان الاجتماعي. وبهذا يقدر متوسط ​​الإنفاق في الأردن على الحماية الاجتماعية بنحو 24 دولارًا أمريكيًا للفرد. كما حالت  إجراءات البنك المركزي دون تبلور العديد من الخسائر في المقام الأول وظلت البنوك مرنة بشكل ملحوظ حتى أن الكثير منها حقق أرباحا خلال العام.

ولكن الواضح أن هذه الإجراءات لم تساعد كثيرا. بالنسبة للقطاعات فإن القطاع الأكثر تأثرا كان قطاع التعليم الذي تراجع بنسبة 50%، تلاه العقارات (49%)، والنقل والمبيت (43%)، بينما كان الاقل تأثرا قطاع العمل في القطاع العام والذي تراجع فقط بقيمة 10%، مما يعني أن أقل الناس تأثرا هم أولئك الموظفين في الحكومة.

وبينما ارتفع معدل البطالة في الربع الثاني من 2020 الى 23% مقارنة مع 19% في العام الذي سبقه، فلقد كان نصيب العمال المستضعفين أكثر بكثير من غيرهم. حيث وجدت مسوح منظمة العمل الدولية في الأردن أن ما يصل إلى 39 بالمائة من العمال المستضعفين (ليس لديهم عقود عمل) لم يعودوا يعملون بعد اندلاع الأزمة، وأن 31٪ من الأردنيين المستضعفين قد تم تسريحهم مؤقتًا، و17٪ تم تسريحهم بشكل دائم، و 41٪ في إجازة مدفوعة الأجر. وبالإضافة إلى ذلك، أشار 50٪ من عينة المسح الى زيادة ملحوظة في أسعار المواد الغذائية، ولم يحصل 29٪ على ما يكفي من الطعام في الأسبوع الماضي في الغالب لأنهم لا يستطيعون تحمل كلفته.

وحسب دراسة أخرى حديثة للبنك الدولي، وبناء على خط فقر وطني مطلق  يصل إلى حوالي 67 دينارًا للشخص الواحد شهريًا لعام 2019 ، نتج عن الكورونا والتعامل معها زيادة بنسبة 38 نقطة مئوية في معدلات الفقر بين الأردنيين، و 18 نقطة مئوية زيادة في معدلات الفقر بين اللاجئين السوريين، وسبب تأثر اللاجئين بشكل أقل كان لأنهم أقل اعتمادًا على دخل سوق العمل والتحويلات المالية وأكثر اعتمادا على دعم المنظمات غير الحكومية الدولية. كما تراجعت المدخرات واضطر الأردنيون مع ضعف الإقراض وخاصة لذوي الدخل المحدود للجوء إلى استراتيجية مواجهة سلبية واحدة مثل تقليل الوجبات أو تخفيض الإنفاق على الصحة والتعليم. أيضا، ازدادت فجوة الفقر (مدى البعد تحت خط الفقر) أضعافا مضاعفة.

لا بد لنا من اتباع حوار جديد يؤكد على مرونة واستدامة الاقتصاد في مواجهة الازمات الحالية والمستقبلية بدلا من الحوار الحالي القائم على الكفاءة والإنتاجية، وهو موضوع لمقال آخر.

تفاوت نسب إصابات ووفيات الكورونا في الأردن 31 1 2020

 


يُفاجأ المتصفح لقاعدة بيانات منظمة الصحة العالمية، التي تُحدّث بشكل متواصل وآني، من أرقام الإصابات بسبب الكورونا في الأردن وعدد الوفيات المعلنة. وأشدد هنا على كلمة معلنة، حيث أنني اعتقد وكما يعتقد الكثيرون أن هنالك بعض الحالات في الأردن التي لا تنسب للجائحة، ربما لتخوف الأسرة من الإجراءات التي تلي مثل هذا الإعلان، كما أن خوف بعض المرضى من الذهاب للمستشفيات والاختلاط المحتمل بمصابي الجائحة قد أدى الى وفاتهم.

فمن حيث عدد الإصابات بالنسبة لعدد السكان فقد حل الأردن في المرتبة الخامسة عربيا (2.84%)، بينما جاءت البحرين في المرتبة الأولى (5.4%)، تلاها قطر (4.97%)، ثم الكويت (3.51%)، والأراضي المحتلة (2.97%). أما بالنسبة للوفيات فلقد جاء ترتيب الأردن كثاني بلد عربي في نسبة الوفيات لكل مليون نسمة حسب منظمة الصحة العالمية حيث وصل عدد الوفيات الى 370 وفاة لكل مليون، بعد تونس ( 382) التي شهدت مخاض الربيع العربي، تلاهما العراق (318)، ثم عُمان (293)، والأراضي المحتلة (286).

أما بالنسبة للعالم، فلقد وصلت نسبة الإصابات الى السكان عالميا حوالي 1.02%، ووصلت نسبة الوفيات 226 وفاة لكل مليون نسمة. أي أن نسبة الإصابات لدينا كانت اعلى من النسبة العالمية بنحو 180%، وفاقت نسبة الوفيات لكل مليون شخص في الأردن النسبة في العالم بحوالي 64%.

الأرقام، خاصة تلك التي تقارن وضعنا مع وضع البلدان العربية الأخرى،  تُنبئنا بما يلي: إما أننا لا نفحص بشكل كاف ولذلك ربما يكون عدد الإصابات أكبر، أو أن إجراءات التعامل مع المرضى ليست بذات الكفاءة عربيا أو عالميا، وربما يكون كلاهما معا. وقد تكون أسباب الإصابات عدم اهتمام البعض بإجراءات التباعد وارتداء الكمامات، وأيضا فشل سياسات الحجر المرهقة لاقتصاد مرهق بالأساس، ولكن هذا لا يُعفي بأي حال من كون الإجراءات الطبية للتعامل مع المرض.

وفي جميع الأحوال نستنتج بأن التفاوت بين الإصابات والوفيات مقلق جدا، الأمر الذي يدعونا للتفكير بسياسات وإجراءات صحية تختلف أو أكثر ملاءمة من تلك التي تبنيناها في العام الماضي.

نرجو أن يكون عام 2021 عاما أفضل من حيث التعامل مع الجائحة التي تستمر، وبقسوة أكثر من حيث إمكانية العدوى، وكل عام والأردن بكل من فيه بألف خير ومحبة وسؤدد.

Wednesday, October 28, 2020

اقتصاديات البلطجة وغيرها 28 10 2020

قام الامن مشكورا قبل أيام بالقبض على عدد من فارضي الاتاوات من البلطجية بعد الجريمة النكراء التي هزت الشارع الاردني. تذكرني هذه الجرائم وغيرها ببحث اقتصادي هام نشر عام 1968 حول مسببات ارتكاب الجريمة لغاري بيكر الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد يذكر فيه الشروط  التي تحفز من الناحية الاقتصادية (وليس السيكولوجية وبافتراض أن مرتكب الجريمة شخص عقلاني)، اذكرها ادناه لفائدتها في درء وتقليل وقوع الجرائم بأنواعها وهي:

1-  سهولة ارتكاب الجريمة: كلما كان ارتكاب الجريمة سهلاً ولا يحتاج الى أدوات  وموارد حذقة أو ماهرة يصعب الوصول اليها تزداد امكانية ارتكاب الجريمة، ولدينا الكثير من الامثلة الشعبية التي تقول بمثل هذا، "المال السائب يعلم الحرامي على السرقة"، و"الحيط الواطي بعلم الحرامي على السرقة". لذا نجد ان الجريمة تنتشر في المناطق والمواقع التي تضعف فيها الرقابة او يسهل فيها الوصول الى الضحية.

2-  احتمالية القبض على مرتكب الجريمة: وتعني بصراحة "من أمن العقاب أساء الادب"، و" المصيبة ليس في ظلم الأشرار بل في صمت الاخيار"، فحين يعتقد اللص او الفاسد او البلطجي بضعف أو تدني امكانية اكتشاف الجريمة ومحاسبته عليها يكون حافزه أكبر لارتكابها.

3-  حجم الغنيمة: وتعني انه كلما كبرت المنفعة المتوقعة من ارتكاب الجريمة يكون لدى الجاني حافز اكبر على ارتكابها، "اذا أردت أن تسرق فاسرق جمل". وهنا يكون حجم المنفعة بالنسبة لدخل أو ثراء الجاني.

4-  شدة وقسوة العقاب في حال القبض على الجاني: مما يعني انه في حال القاء القبض على المجرم يجب ان يكون العقاب رادعاً ومانعاً للشخص وغيره من ارتكاب مثل هذه الجريمة، اي بما معناه " إذا تساهل شعب مشى إليه الشتات، للناس في العفو موت، وفي القصاص حياة".

اي ان الشخص، اذا كان عقلانيا (وقد لا يكون عقلانيا)، سيوازن بين هذه العناصر الاربعة قبل ارتكاب اي جريمة، لذا تقوم المجتمعات المتقدمة بتطبيق القانون على الجميع كما تجعل من ارتكاب الجريمة امرا غير سهل، وتغلظ العقوبات على مرتكبيها، وتحارب الفقر ومشاكله، وتمكن مجتمعاتها من التدريب والتعلم وتقدم لها فرص التشغيل والتوظيف لتقلل من حجم الغنيمة بالنسبة للدخل. لاحظ ان بحث البروفيسور بيكر لم يتكلم عن الاخلاق او الوازع الديني او الثقافي او الاسري، بل انه قدم نظريةً اقتصادية (التكلفة والمنفعة) بحتة في تحليل الجريمة.

من الممارسات الفضلى كان ما قام به لي كوان يو في سنغافورة من تغليظ للعقوبات وتشديد ممن المراقبة وتطبيق القانون بالمساواة على جميع السكان في سنغافورة مما جعلها بلداً نظيفاً وأمناً، كما نجد في ممارسة رودي جولياني حين شغل منصب محافظ مدينة نيويورك والتي كانت مرتعا للجريمة آنذاك فنظفها خلال بضع أعوام حين زاد من احتمالية القبض حتى على مرتكبي الجرائم الصغيرة كالرسم على الحائط وتشويه الاماكن العامة وعدم دفع ثمن تذكرة المترو النفقي وغلظ العقوبات عليها لجعلها مثالاً لما يمكن ان يحدث لمرتكبي الجرائم الكبيرة. وكلا المثالين دلائل على تطبيق الجهات المنظمة والرقابية في المجتمع لما اشار اليه "غاري بيكر". ويجب أن نتذكر مقولة مصطفى صدقي الرفاعي، "  وآفة هذه القوانين أنها لم تُسن لمنع الجريمة أن تقع، ولكن للعقاب عليها بعد وقوعها ".

طبعا، محاربة الجريمة يجب أن تكون عملية مستدامة ومستمرة...وللحديث ما له من معاني أتركها للقارئ يستنبطها حسبما يرى.  

Tuesday, October 20, 2020

الصناعة أم الخدمات كمحرك نمو 20/10/2020

 الصناعة أم الخدمات كمحرك نمو

هنالك حرب باردة في الأردن بين دعاة اعتماد الخدمات والتي تنتج 50% (بعد استثناء الخدمات الحكومية) من الناتج المحلي، وتوظف أكثر من نصف مليون عامل نظامي (وربما نصف مليون آخر غير منتظم)، ودعاة التوجه الى التركيز على الصناعة التي تنتج أقل من 20% من الناتج المحلي وتوظف حوالي مائتي ألف عامل منتظم. 

لذا يستمر الحوار في الأردن حول ماهية الاقتصاد، وهل يجب أن يكون خدمي أم صناعي، وهو حوار تنموي هام، وله ما له من مدلولات على التوجهات التنموية للبلد، ، فالسعي لتحقيق النمو الاقتصادي المستدام أو حتى التحاور فيه أصبح مؤخرا أكثر كثافة من أي وقت مضى، خاصة بالنسبة لبلد نامي مثل الأردن.

دعت الكثير من البلدان إلى تحويل استراتيجياتها الإنمائية من التصنيع إلى الخدمات كمحرك رئيسي للنمو في العقود الأخيرة، نظرًا لأن التقنيات الجديدة تسمح بشكل متزايد بإنتاج الخدمات والاتجار بها بشكل يضاهي أو يقارب التجارة بالسلع، كما أن بعض الاقتصاديون في العالم، ومنهم محليون، يقترحون أن الاقتصادات منخفضة الدخل يجب أن تتخطى كليا مرحلة التصنيع في رحلاتها التنموية كليا ً لتنتقل مباشرة من الزراعة التقليدية إلى "مُسارع النمو" الجديد وهو قطاع الخدمات.

لكن هذا لا يغير حقيقة أن التصنيع لا يزال يمثل أهمية قصوى كمدخل في السعي لتحقيق الازدهار الاقتصادي، وتفتح الثورة الرقمية فرصًا جديدة لتسريع الابتكار وتعزيز محتوى القيمة المضافة لمخرجات التصنيع.  فلقد أظهر تقرير حديث صادر عن منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية أن متوسط ​​نمو القيمة المضافة في التصنيع العالمي بلغ 3.1٪ سنويا بين عامي 1991 و 2018، وهو أعلى قليلاً من متوسط ​​معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي البالغ 2.8٪. ونتيجة لذلك، زادت مساهمة التصنيع في نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي من 15.2٪ في عام 1990 إلى 16.4٪ في عام 2018.

بالإضافة، فإن القيمة الحالية للتجارة العالمية في الخدمات لا تتعدى ثلث قيمة السلع المصنعة، على الرغم من أن الخدمات تمثل 75٪ من الناتج المحلي الإجمالي وتوظف 80٪ من العمالة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، كما أن الميزة النسبية للبلدان النامية هي في وجود العمالة منخفضة التكلفة. ولا ينبغي لهذه الدول ومنها الأردن السعي لتقليد استراتيجية النمو التي تقودها الخدمات الرائجة في الاقتصادات المتقدمة دون امتلاك قاعدة المهارات اللازمة للحفاظ عليها.

والادعاء بأن التصنيع سيخلق فرص عمل أقل مما كان عليه في الماضي لأن الروبوتات تحل محل العمالة البشرية بشكل متزايد لا يزال تخمينًا. فعلى الرغم من أن الأتمتة ستلغي عددًا كبيرًا من الوظائف وخاصة في مجالات التصنيع، فمن المحتمل أيضًا أن يخلق دخول الروبوتات سوق العمل صناعات ووظائف جديدة في أنشطة أكثر مهارة. وبمجرد التفكير في التأثيرات غير المباشرة على سلسلة القيمة المضافة، فإن الزيادة في مخزون الروبوتات المستخدمة في التصنيع العالمي قد لا تدمر فرص العمل بل تخلق فرص عمل جديدة.

ولا بد من التذكير بأن وضع الخدمات كمصدر رئيسي للنمو في العديد من البلدان النامية يعكس بشكل أساسي إخفاقات استراتيجيات التصنيع في هذه البلدان التي لم تتماشى مع المزايا النسبية لهذه الاقتصادات، أو لم تكن مستقرة بشكل كاف لإيجاد صناعات متقدمة، أو أنها ركزت على الأنشطة التصنيعية التقليدية بدلا من تحفيز الابتكار والابداع، أو أن البيروقراطية فيها وكثافة التنظيم بدلا من التحفيز والدعم خنق ما كان يمكن أن يكون.

 

من المؤكد أن خدمات الأعمال التجارية القابلة للتداول (بما في ذلك خدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والوساطة المالية والتأمين والخدمات المهنية والعلمية والتقنية والطبية) يمكن أن توفر فرصًا للتكامل العالمي القائم على الخدمات بسبب الاختلافات الكبيرة في الأجور بين البلدان. ولكن، لن يحدث هذا إلا عندما تقوم البلدان النامية بتحسين قاعدة رأس المال البشري لديها-وهي عملية طويلة الأجل وتتطلب جهود مؤسسية تنموية لا يستهان بها قد لا تكون متوفرة لبعض البلدان، وربما غالبيتها.

وإذا أراد الأردن مثلا التوجه مع ظهور تقنيات الإنتاج الرقمي المتقدمة بما في ذلك الروبوتات والذكاء الاصطناعي والتصنيع الإضافي وتحليلات البيانات التي تفتح إمكانيات جديدة في الخدمات مثل التطبيب عن بعد والروبوتات عن بعد، فلا بد من التذكير بأن هذه الأنشطة تتطلب أيضًا عمالًا ذوي مهارات عالية، ولسوء الحظ، تمنع أنظمة ونتائج التعليم في معظم البلدان النامية الكثير من القوى العاملة من التنافس بنجاح في مجال الخدمات. لذا، فإن الدعوة إلى أن الاقتصادات ذات رأس المال البشري الضعيف، خاصة تلك التي صدرت بدلا من أن تنمي وتوظف هذه الثروة هي وصفة لمزيد من اللامنهجية والفقر.

بالنسبة للبلدان الفقيرة، يظل التصنيع هو السبيل الرئيسي للتنمية الناجحة. باختصار، ينبغي للدول النامية أن تتجاهل التقارير التي تتحدث عن انقراض التصنيع كمفتاح للرخاء.

د. يوسف منصور

Sunday, May 10, 2020

Jordanian Economic Perspective وجهة نظر اقتصادية أردنية: الجائحة والركود الاقتصادي والأزمة المالية 10 5 202...

Jordanian Economic Perspective وجهة نظر اقتصادية أردنية: الجائحة والركود الاقتصادي والأزمة المالية 10 5 202...: من الواضح أن أزمة الجائحة وأزمة الانكماش الاقتصادي والأزمة المالية تعتمد على بعضها البعض وتتداخل بشكل ديناميكي. وكلما طالت فترات هذه...

الجائحة والركود الاقتصادي والأزمة المالية 10 5 2020



من الواضح أن أزمة الجائحة وأزمة الانكماش الاقتصادي والأزمة المالية تعتمد على بعضها البعض وتتداخل بشكل ديناميكي. وكلما طالت فترات هذه الأزمات وتعمقت  أعمق وأطول، كان تأثيرها مجتمعة أكثر ضررا. مما يعني وجوب تخفيف حدتها مجتمعة وليس واحدة على حساب الأخرى. وأشير هنا الى التوصيات التي وردت حسب دراسة لمعهد بروكنغز[1]، وهو مركز دراسات عالمي مرموق، مع توفيق لهذه التوصيات مع الوضع في الأردن.
تحصل الاختناقات الصحية عندما يتجاوز عدد المرضى عددا أكبر من قدرة النظام الصحي على التعامل معها، وحين تصاحب هذا الاختناق فترات ركود طويلة وممتدة تنجم أضرار دائمة وعميقة حسب نوع وطبيعة الانتاج في البلد والقطاعات الأكثر تضررا (كقطاعي السياحة والنقل وغيرها في الأردن)، فيؤدي طول فترة ضعف العرض والطلب (وخاصة في بلد كان يعاني من فترة ركود طويلة بالأساس) إلى ارتفاع البطالة الهيكلية (في 2019 كانت البطالة الكلية 19%، وجزء كبير منها هيكلي تجذر في الهيكل العام للاقتصاد)، وانخفاض المخزون من رأس المال بشكل دائم، وتراجع الريادية والرغبة في الاستثمار أو انشاء المؤسسات. وينجم عن تراجع السيولة ضائقة مالية تتأثر خلالها حتى الشركات المنتجة والاكثر مناعة فتصبح التكلفة المالية اللازمة لاحقا لإنقاذ الشركات باهظة الثمن، وصعبة التحقيق (يعني فات الفاس بالراس!!!). لذا، يجب العمل على تسوية المشكلات الثلاث معا: الجائحة، والركود، والمالية.
ولا يُخفى أن العمل المتزامن على جميع هذه الجبهات (الطبية والمالية) يتطلب موارد أكبر مما هو متوفر حاليا لدى الحكومة. كما يحتاج الأردن كغيره من البلدان النامية إلى استراتيجية واضحة لزيادة الموارد العامة والخاصة وبعجالة وتنسيق تام (يعمل البنك الدولي على إطار يمكّن الدول من وضع استراتيجيات تتناسب مع ظروفها: قدرة القطاع الصحي، والحيّز أو السعة المالية في موازناتها، وتحفيز القطاع المالي، والتوسع النقدي).
ومن هذا الباب، هناك حاجة إلى تنفيذ سريع ومتزامن ومتسق لأربع مجموعات من الأدوات لتسوية المنحنيات الثلاثة معا:
1.   الصحة والحماية الاجتماعية: وهي السياسات الحكومية ذات الأولوية، بدءًا من التوسع في الاختبار والعلاج للمصابين، وتعيين كوادر طبية جديدة، والتأكد من وجود غرف العناية الحثيثة واجهزة التنفس، وتوسيع المساعدة الاجتماعية وخاصة للعمالة التي توقفت عن العمل بسبب الجائحة، وتقديم التحويلات النقدية إلى الأسر المتضررة (وهي أكفأ بكثير من الطرود الغذائية، لأنها تمنح المتلقي الحرية والكفاءة في الانفاق وحسب احتياجاته الفردية وليس كما تقرره المجموعة).
2.   السياسة المالية: وتشمل تأجيل دفع الضرائب والرسوم، وخفض المساهمات الاجتماعية، وتقديم قروض منخفضة الفائدة للشركات، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق في الموازنة، وتمويل العجز المالي في الموازنة من خلال التوسع في الاقتراض أو الحصول على المعونات واعادة جدولة ديون الأردن. ويبرز هنا أهمية عودة الحيوية للاقتصاد، فكلما طالت فترة الحجر كلما تقلصت المساحة المالية لدى الحكومة على المناورة دون دعم خارجي. كما يجب تخفيض الضرائب وخاصة تلك المبنية على الفترة وليس العمل كضرائب المسقفات.
3.   السياسة النقدية: أشرت في مقالات سابقة الى أن السياسة النقدية هي خط الدفاع الأول لكي لا تتحول أزمة السيولة الى أزمة مالية (إفلاس وتعطل المنتجين)،  وأعتقد أن لدى البنك المركزي مساحة واسعة للتعامل مع الأزمة النقدية الناجمة عن الحجر من خلال تخفيض سعر الفائدة، ولا ننسى أن الفارق بين سعر الفائدة على القروض يصل الى 5% تقريبا من سعر الفائدة على الودائع، وهي نسبة مرتفعة عالميا، كما أن ما قام به من توفير سيولة إضافية للبنوك رغم عدم حاجتها للسيولة في هذه المرحلة كان إجراء محمود وضروري وسيكون أكثر كفاءة إن مررته البنوك بالكامل للمؤسسات الانتاجية والافراد وصاحبه الزام للبنوك لإعادة جدولة الديون وتمديد فترات السماح للافراد والشركات لتفادي التحول الى أزمة مالية.
4.   السياسات الصناعية والتجارية: تخفيض متطلبات رأس المال، ومتطلبات ورسوم تسجيل الشركات، والتقليل من معيقات الاستيراد والتصدير كالاجراءات والرسوم الجمركية. والنظر في أي تعليمات (الشحن، والعمالة، والتسجيل، وتنظيم العقارات، وغيرها)  تؤدي الى زيادة كلف الانتاج في زمان تراجع فيه العرض والطلب.
وتقوم الحكومة حاليا بممارسة الكثير مما أوردت، وهو التوجه الصحيح برأيي، وربما يحتاج للاعلان عن استراتيجية مفصلة وشفافة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الجائحة لا تنتهي بانخفاض عدد الاصابات، بل ستستمر طالما كان هنالك عمل. المطلوب تقليل اصاباتها من خلال التباعد الجسدي بين النشطاء وتمكين النظام الصحي للتعامل مع أي اصابات جديدة دون ايقاف النشاط الاقتصادي بل ودعمه بوتيرة لم يعتادها الأردن في السابق، وبتكامل وتظافر كافة مؤسسات الحوكمة فيه.  
 د. يوسف منصور


.

Tuesday, May 5, 2020

تحديات الاقتصاد بعد ازمة الكورونا 5 5 2020



تفاعل الاردن بشكل ممتاز من الناحية الصحية مع جائحة الكورونا، غير أن التحدي الأكبر سيكون كيفية العودة بالاقتصاد الى مرحلة التعافي أيضا. لذا، ادرج هنا بعض التحديات القادمة، وأرجو أن لا أكون متفائلا أو متشائما بل واقعيا، وأترك الحكم في هذا للقارىء.
الإنفاق العام على الأنظمة الصحية،  تُظهر أزمة COVID-19 وجوب تخصيص المزيد من الانفاق على الانظمة الصحية في الأردن، فلولا الحجر لبدى ضعف هذه الأنظمة واضحا كسلعة عامة وضرورية وقد يستفيد الأردن هنا من كونه شابا من الناحية الديموغرافية حيث ترتفع فيه نسبة الشباب.
الدين العام، ستزداد مديونية الحكومة، وهي مرتفعة أصلا، نتيجة الحجر والتوقف الاقتصادي وفترة التعافي الطويلة ما بعد العودة للعمل، فمن الواضح أن العديد من القطاعات لن تعود للعمل بشكل تام، وخاصة السياحة والنقل. وبما أن الحكومة تُحصّل 30% من الناتج المحلي الإجمالي على شكل ضرائب ورسوم فإن دخلها سينخفض بهذه النسبة مع تراجع الاقتصاد الكلي. واعتقد بأنه سيكون هنالك تراجع هذا العام يفوق غالبية التوقعات السائدة من المنظمات الدولية حيث أن التراجع سيعتمد على طول فترة الحجر، وسرعة عودة الاقتصاد ولا أعتقد أنه سيعود الى ما سبق بسرعة، بل أن الأثر سيتناقص على مدى عام أو أكثر، وسيعتمد على كون السياسة النقدية فاعلة وغير تقليدية بشكل كبير.
الدين الخاص والانتعاش الضعيف والبطالة، كما أن فقدان الدخل للعديد من الأسر والشركات يعني أن مستويات ديون القطاع الخاص قد تصبح غير مستدامة، مما قد يؤدي إلى حالات تخلف عن السداد وربما الإفلاس. وإلى جانب المستويات المرتفعة للدين العام، فإن هذا كله سيؤدي الى انتعاش ضعيف. وكما صرح وزير العمل اليوم فإن 406 منشأة ( يعمل فيها 9775 عامل) طلبت السماح لها بالتوقف عن العمل، لذا نتوقع ارتفاع ارقام البطالة من نسبتها الحالية والتي تفوق 19%.
تزايد مخاطر الركود العميق، وخاصة أن الاقتصاد الأردني دخل الأزمة  وهو في ركود طويل وعميق، وستخلق الأزمة وتبعاتها ركودًا إضافيا في مبيعات وانتاج السلع المعمرة وتلك التي تشكل جزء كبير من الدخل، كما ستتراجع مبيعات السلع الكمالية بشكل كبير، ولتفادي ذلك يجب على بائعي هذه السلع تقديم الخصومات، وسيصاحب ذلك ايضا جهود لخفض التكاليف من قبل أصحاب العمل خاصة اذا ما بقيت أسعار الطاقة مرتفعة والبيروقراطية واجراءاتها كما هي وكلفة الاقتراض على هيكليتها. اي أننا لتخفيض هذا الأثر يجب أن نخفف تكاليف الانتاج وخاصة مع انخفاض فاتورة النفط العام الماضي بنسبة 23% وانخفاضها بشكل أكبر كما هو متوقع لهذا العام.
الدينار سيظل بخير، فالاحتياطي من العملات الصعبة والذهب كبير وفي اعلى المستويات ويكفي لأكثر من سبعة شهور من الواردات، ومع انخفاض اسعار الواردات ومن ضمنها الطاقة سيغطي الاحتياطي أكثر من تسعة شهور.  وبما أن الأردن يُصدّر المواد الخام والكيماويات والملابس بالأساس فإن صادراته تغطي حوالي 40% من وارداته، فلا يوجد اي داع لتخفيض العملة لتحفيز الصادرات لأن حجم الصادرات أقل بكثير من الواردات. وعادة تخفض الدول المنتجة (كالصين مثلا) عملاتها لتحفيز الصادرات، أما في الأردن فإن التخفيض يضر بالاقتصاد كثيرا حيث يجعل الواردات أكثر غلاء بالنسبة للجميع ويزيد من حجم المديونية بالنسبة للدينار.
التضخم، لا خوف لدينا من التضخم، وهو ما تحاربه البنوك المركزية في الدول الكبرى وليس في الأردن حيث أن غالبية التضخم مستورد، كما أن التضخم في 2019 في الأردن كان 0.3% اي 3 بالألف نتيجة الركود وانخفاض أسعار الطاقة والسلع الاساسية التي نستوردها، لذا فإن أي ارتفاع في الاسعار، إن حصل، سيكون قليلا، وغير ذي أثر يذكر.
تسارع التحول الرقمي (الديجيتالي) مع الكورونا، وهو ما سيخلق فرص عمل جديدة، ولكنه سيؤدي أيضا إلى فقدان البعض لوظائفهم أو عملهم ويقلل من كسبهم، مما سيوسع الفجوات في الدخل والثروة، ويغير من سلاسل التوريد  ويتطلب تحولات استثمارية ورأسمالية ضخمة نسبيا، وهو أمر قد تستطيعه بشكل أفضل تلك الدول المتقدمة ومنخفضة تكاليف الانتاج ومنها التمويل، وستعاني منه الأسواق الأعلى تكلفة، وسيؤدي للضغط هبوطيًا على الأجور. وسيعاني من هذا التحول بشكل كبير العمالة الضيف المقيمة في الأردن واللاجئين وخاصة في القطاع غير المنظم.
عالميا، ستنحسر العولمة (وقد بدأت بذلك فعلا ادارة ترمب)  ويصبح التوجه اكثر نحو شيطنة الآخر، واعتماد سياسات حمائية أكثر لحماية الشركات والعمال المحليين من الاضطرابات العالمية والمنافسة داخل أسواقها، وفرض قيود أكثر صرامة على حركة السلع والخدمات ورأس المال والعمالة والتكنولوجيا والبيانات والمعلومات. ولقد ظهرت دلالات هذا التوجه واضحة في قطاعات الأدوية والمعدات الطبية والغذاء حيث تفرض الحكومات قيودًا على الصادرات وتدابير حمائية أخرى استجابة للأزمة. وقد ينجم عن شيطنة والقاء اللوم على الآخر مواجهة جيواستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين، وقد بدأ ذلك فعلا مع  مع القاء إدارة ترامب اللوم على الصين في هذا الوباء، وستدّعي الصين أن أمريكا تتآمر لمنع تفوق الصين اقتصاديا، مما سيزيد من حدة الانفصال الذي بدأ بينهما وربما المواجهة، خاصة مع قرب الانتخابات الامريكية وحاجة ترمب مثل أي دكتاتور لوجود عدو خارجي يكون شماعة يعلق عليها فشله في ادارة الأزمة.

د. يوسف منصور

Thursday, April 23, 2020

الخروج من الحجر الى الاقتصاد 23 4 2020


يتحكم، وربما لأول مرة في تاريخنا، القرار الصحي بالقرار الاقتصادي وكافة مناحيه. وهنا تكمن الصعوبة بالنسبة للفكر الاقتصادي التقليدي، فكيفية العودة بالاقتصاد الى الخروج من الحجر ومنع التجوال وتقييد الحركة سيعتمد بشكل كبير على القرار الصحي، ومتطلباته، فيجد الاقتصاديون أنفسهم أمام ظاهرة غريبة، وكأنهم أمام ما اسماه نسيم طالب ب "البجعة السوداء"، وهو ما يحدث حين تواجه ظاهرة تختلف تماما عن ما اعتدته، فتجد أن الادوات القديمة وتوصياتها أقل أهمية وكفاءة في التعامل مع الظاهرة مما يستوجب حلولا وانماطا جديدة.
ومن هذا المنطلق، أصف هنا مرتكزات أعتقد أن من اللازم اتخاذها من أجل العودة بالاقتصاد، ليس لما كان عليه، ولكن على الأقل الى وضع يقارب ما كان عليه قبل جائحة الكورونا.
1.   ايجاد ما يسمى بالارقام الحقيقية  Real Time للاصابات وليس ما هو مشاهدمن اصابات Observed Time فقط، وذلك اسوة بما فعلته سنغافورة وجنوب كوريا والصين. ويقوم بتحديد هذا علماء الامراض والاطباء والاحصاء والاقتصاد والسلوك البشري وشركات الاتصالات وشبكات التواصل الاجتماعي فيضعوا قاعدة بيانات حقيقية تبين الارقام الحقيقية وليس ما ظهر منها فقط. ويتم نشر هذه الارقام لكل منطقة على حدة مع الأخذ بخصوصياتها الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، أو ما يسمى Localization، وهو أمر هام في اتخاذ الاجراءات الوقائية لاحقا.
2.   إجراء فحص الدم لأكبر عدد ممكن من الناس لمعرفة مستوى المناعة لديهم، واذا ما كانوا قد اصيبوا بالمرض، وإمكانية اصابتهم بالمرض اذا تعرضوا له من قبل ناقل أو حامل للمرض. وهو اجراء طبي غير مكلف وينصح به العديدون من خبراء الأوبئة في العالم.
3.   التأكد من جاهزية الجهاز الطبي ومؤسساته من حيث عدد الأسرة وغرف العناية الحثيثة وأجهزة التنفس الاصطناعي، ويمكن حساب ذلك والسعي لتجهيزه، واستيراد ما هو غير متوفر من الصين مثلا. كما يمكن طباعة أجهزة تنفس من خلال الطباعة ثلاثية الأبعاد.
4.   الإعلان أن في حال وصول عدد حالات المرض الى عدد معين، سيتم فتح الاقتصاد والعودة للعمل ولكن بشروط تضمن التباعد الجسدي بين الناس، فالمرض لن يختفي حتى يكتشف اللقا؛ وهو أمر قد يستغرق شهور أو أكثر. الهدف من الاعلان هو اعطاء ساكني الأردن هدفا وبصيص أمل أو ضوء في نهاية النفق، مما يساعد على الامتثال، خاصة وإن طالت فترات الحجر. كما يعلن في ذات السياق أنه إذا وصل عدد الحالات الى مستوى معين سيعود قرار الحجر والاغلاق. ويفيد هذا أيضا في تحفيز أنماط التصرف البشري نحو الوقاية الذاتية.
5.   يتم الفتح للاقتصاد ليس بالضرورة من خلال فتح القطاع حسب الأهمية بل من خلال التأكيد على القدرة على تحمل عودة الانتشار، من تركيبة من ما يلي:
·       توفر العمالة ذات المناعة العالية للعمل في المصنع أو المصلحة التجارية
·       التعقيم والتباعد الجسدي في مكان العمل ووجود امكانية الحجر السريع في المرافق
·       خصوصية المنطقة التي يتم فيها الانتاج وصفاتها الديموغرافية ومدى التزاحم البشري فيها وأعمار السكان وتوفر الحجر الصحي السريع
·       خصوصية المنشأة وعمليات التصنيع في المنشأة من حيث المساحات وتباعد الآليات، فلى سبيل المثال: إن كان مطعم فيجب أن يكون فيه تباعد بين الطاولات وغيره.
·       التعرف على سلاسل العرض (الانتاج) المحددة للمنشآت، فمن غير المنطق ان يسمح بفتح منشأة من قبل المشرّع دون أن يتوفر لديها قنوات لاستقبال المدخلات أو بيع المنتجات، ويراعى فيها النقل والتخزين وغيره مما يؤثر في سلاسل العرض. أيضا، يجب الوقوف على سلسلة الانتاج داخل المصنع فلا تتوقف آلية دون أخرى فتتعطل كافة عملية الانتاج، مما يجعل قرار الفتح بلا أي فائدة واقعية.
·       أن يحاول المشرع تفادي القرارات التي ترفع من كلفة الانتاج بأي شكل من الأشكال، وخاصة للمؤسسات الصغيرة، فالاقتصاد قبل الكورونا كان يعاني من ارتفاع اسعار الطاقة والفوائد على الاقتراض وارتفاع الضرائب غير المباشرة وتعددها والبيروقراطية وضعف السوق المحلي مع انخفاض القدرة الشرائية وركود اقتصادي قبع بين ظهرانيه لعشر سنوات ولا يزال مستمر.
6.   وضع الرسائل التوجيهية والتوعوية في أماكن العمل والاستهلاك لاستمرار وتشجيع الاحساس بالمسؤلية الفردية نحو الذات والمجموعة وبالتالي تقوية الحافز لدى الفرد في الساتمرار بأنماط التباعد الجسدي عن الآخرين.
7.   توفير السيولة من مصادر التمويل الرسمية خلال الاغلاق، وحين بداية العودة للانتاج لفترة لا تقل عن ثلاثة شهور تقريبا، وخاصة لتلك المنشآت الصغيرة التي لا تتوفر لديها السيولة عادة.
8.   بما أن الجائحة (وباء معدي Epidemic عابر للدول) تعتبر ظرف قاهر Force Majeure حسب ادبيات وعقود المؤسسات الدولية، فيجب ايقاف أي دفعات للحكومة والبلديات (ضرائب مسقفات ورسوم بلدية وخلافه) ورسوم التسجيل لمن لم يعمل خلال فترة المنع، أو ما يسمى ب "ايقاف الساعة" وتأجيل وتقسيط الكلف المتحققة لاحقا دون غرامات تأخير ولفترات مريحة تمكن المؤسسات من التعافي. فالمشرع الذي يعتقد بأن المؤسسات في القطاع الخاص ستعود للعمل مباشرة وكأن شيئا لم يكن ربما لم يعمل أبدا في القطاع الخاص ويتعرف على محدداته من تراكم الفواتير والدفعات بعد حالة إغلاق طويلة الأمد.
9.   تفادي الإجراءات التي تحد من دخل المواطن والمؤسسات بأي شكل، لأنها ستقلل من الدخل المتاح للمواطن، وتضر بالطلب الكلي، فتؤدي الى تراجع الاقتصاد أكثر وإدخاله في دوامة غير حميدة تعمق من الآثار السالبة. وهنا يأتي دور الحكومة سواء من خلال الدعم أو السماح، فجائرة الكورونا خلقت دورة اقتصادية خاصة بها، قد تطول أو تقصر، وقد تعود ولاسباب لا علاقة لها بالاقتصاد ودورته المعتادة.
10.                  دخلت مؤسسات الاقتصاد الاردني (الحكومية والخاصة) في الجائحة بعد عشر سنوات من ركود اقتصادي حاد وطويل الأمد (دخل المواطن الحقيقي أقل مما كان عليه في عام 1987)، ولا يوجد كما هو معروف لدى السياسة المالية مجال واسع للمناورة كما في الدول النفطية أو تلك الصناعية التي يقوم اقتصادها على الانتاج والانتاجية أو تلك التي تملك صناديق سيادية استثمارة تستطيع اللجوء اليها. فمع حجم عجز الموازنة قبل الجائحة، والعجز الاضافي الناجم عن الحجر، وذلك المتحقق بعده نتيجة تباطؤ العودة للتعافي الاقتصادي التام، فإن دور السياسة النقدية يجب أن يكون رئيسي ونشط في توفير السيولة بأقل التكاليف وبمتطلبات أقل مما هو معهود. وربما على السياسة المالية أن تتجه للمقرضين الدوليين والمانحين كالصندوق والبنك الدوليين والصين وأمريكا وغيرها من شركاء الاردن التنمويين وطلب فترة سماح وقروض اضافية لتقوية العرض والطلب معا وليس اللجوء الى سياسة تقشف، وهو ما يتفق باعتقادي مع تفكير إدارة السياسة المالية الحالية والتي تحيط بجميع جوانب الاقتصاد وليس دخل ونفقات الحكومة قصيرة الأجل، وباتجاه يعاكس الدورة الاقتصادية فتقاوم الانخفاض في النشاط الاقتصادي بالانفاق، وهو ما ثبت نجاعته عالميا.
قد يكون هناك العديد من الفرص الايجابية الناجمة عن الجائحة، خاصة مع الخروج السريع من تبعاتها الاقتصادية، وعلى الادارات الحصيفة أن تجعل منها فرصا للابتكار واستثمارات مستدامة، وهذا يستحق حوار آخر، خاصة وأن الجائحة جعلت منا شركاء حقيقيين الآن.

د. يوسف منصور