د. يوسف منصور
كان النفط طوال القرن الماضي عنواناً للقوة الاقتصادية
والنفوذ الجيوسياسي. وكانت كل أزمة في الإمدادات تعني قفزات حادة في الأسعار،
وتباطؤاً في النمو العالمي، وقلقاً في الأسواق المالية. إلا أن الحرب الأخيرة التي
أعقبت الهجوم الأمريكي والإسرائيلي على إيران قدمت درساً مختلفاً. فبرغم تعطل مرور
أكثر من عشرة ملايين برميل من النفط يومياً عبر مضيق هرمز، إضافة إلى نحو خمس
تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم، لم ترتفع أسعار النفط إلى المستويات التي
توقعها كثير من المحللين، بل بلغت ذروتها عند نحو 104 دولارات للبرميل قبل أن
تتراجع تدريجياً.
ولا يعني ذلك أن العالم خرج من الأزمة دون خسائر. فقد
تحملت الدول الآسيوية الفقيرة جانباً كبيراً من الأعباء، مع ارتفاع أسعار وقود
الديزل، واحتمال زيادة أسعار الغذاء نتيجة اضطراب تجارة الأسمدة. لكن الرسالة
الأهم كانت أن الاقتصاد العالمي أصبح أقل حساسية لصدمات النفط مما كان عليه قبل
عقود.
ولم تكن هذه المرة الأولى التي تخطئ فيها التوقعات
المتشائمة. ففي عام 2022، وبعد الغزو الروسي لأوكرانيا، توقع بعض المحللين وصول
أسعار النفط إلى 380 دولاراً للبرميل، إلا أن ذلك لم يحدث. واليوم، وبعد اضطراب
أكبر في الإمدادات، أثبتت الأسواق مرة أخرى أنها أصبحت أكثر قدرة على التكيف.
ويرجع ذلك إلى عدة عوامل؛ منها تنويع مسارات النقل،
واستخدام الاحتياطيات الاستراتيجية، وإعادة توزيع مصادر الاستيراد، لكن العامل
الأكثر أهمية يتمثل في التحول التدريجي الذي يشهده مزيج الطاقة العالمي. فقد أصبحت
الطاقة المتجددة، وعلى رأسها الطاقة الشمسية، عنصراً رئيساً في منظومة الطاقة
العالمية. وتشير التقارير الحديثة إلى أن مصادر الطاقة المتجددة تجاوزت الفحم لأول
مرة منذ أكثر من قرن في إنتاج الكهرباء، بينما وفرت الطاقة الشمسية وحدها نحو
ثلاثة أرباع الزيادة في الطلب العالمي على الكهرباء، وتضاعفت مساهمتها في إنتاج
الكهرباء قرابة تسع عشرة مرة خلال العقد الماضي.
ولا يزال النفط السلعة الأكثر تداولاً في العالم، لكن
وزنه النسبي يتراجع بصورة مستمرة. ففي سبعينيات القرن الماضي كان يوفر نحو نصف
احتياجات العالم من الطاقة، أما اليوم فقد انخفضت حصته إلى أقل من 30%، وفقاً
للوكالة الدولية للطاقة. وهذا لا يعني نهاية عصر النفط، لكنه يعني أن العالم بدأ
بالفعل ينتقل إلى منظومة طاقة أكثر تنوعاً وأقل اعتماداً على مصدر واحد.
وتوضح قصة الطاقة الشمسية أن التحولات الكبرى لا
تصنعها الموارد الطبيعية وحدها، بل تصنعها السياسات والابتكار والاستثمار طويل
الأجل. فمنذ تطوير أول خلية شمسية عملية في خمسينيات القرن الماضي، انتقلت قيادة
هذه الصناعة من الولايات المتحدة إلى اليابان، ثم ألمانيا، وأخيراً الصين، التي
نجحت في تحويل الابتكار إلى إنتاج واسع النطاق وخفضت تكاليف التكنولوجيا إلى
مستويات غير مسبوقة. وهكذا أصبحت الطاقة الشمسية اليوم من أكثر مصادر الكهرباء
تنافسية في العالم.
لكن السؤال الذي يهمنا في الأردن هو: هل سنكون مجرد متابعين لهذا التحول،
أم سنكون من المستفيدين منه؟
الإجابة، في رأيي، أن الفرصة أمام الأردن ربما تكون
أكبر مما يعتقد كثيرون. فإذا كان القرن العشرون قد كافأ الدول التي امتلكت النفط،
فإن القرن الحادي والعشرين قد يكافئ الدول التي تستطيع تحويل الشمس والرياح إلى
منتجات صناعية وصادرات ذات قيمة مضافة.
ويمتلك الأردن عدداً من المقومات التي تؤهله لذلك؛ فهو
من أكثر دول العالم تمتعاً بالإشعاع الشمسي، ويملك مناطق واعدة لطاقة الرياح،
وموقعاً لوجستياً متميزاً في العقبة، إضافة إلى قاعدة صناعية قائمة في الفوسفات
والأسمدة. وهذه العناصر تضع المملكة في موقع مناسب لتطوير اقتصاد جديد قائم على
الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء والصناعات المرتبطة بهما. وقد بدأت هذه
الرؤية تتحول إلى خطوات عملية، مع إقرار أول مشروع استثماري كبير لإنتاج الأمونيا
الخضراء في العقبة، باستثمار يتجاوز مليار دولار، ليكون باكورة دخول الأردن إلى سوق
الوقود الأخضر العالمية.
لكن النجاح لن يتحقق بمجرد توفر الشمس والرياح.
فالميزة التنافسية الحقيقية لا تكمن في تصدير الطاقة، بل في تحويلها إلى قيمة
مضافة. والمقصود بذلك بناء منظومة صناعية متكاملة تشمل إنتاج الهيدروجين، وتصنيع
الأمونيا الخضراء، وتطوير الأسمدة منخفضة الكربون، وجذب الصناعات كثيفة الاستخدام
للطاقة النظيفة، وإنشاء خدمات لوجستية وتقنية مرتبطة بهذه الصناعات. فالقيمة
الاقتصادية الكبرى تكمن في المصانع، وسلاسل التوريد، والوظائف، والصادرات، وليس في
تصدير الطاقة الخام وحدها.
لقد دخل العالم بالفعل مرحلة جديدة، لم يعد فيها النفط
وحده سيد أسواق الطاقة. ولن يكون السؤال في السنوات المقبلة: من يملك أكبر
احتياطيات نفطية؟ بل: من يستطيع إنتاج الطاقة النظيفة بأقل تكلفة، وتحويلها إلى
صناعة وصادرات وفرص عمل.
أما بالنسبة للأردن، فإن الفرصة أصبحت واضحة، لكنها
تحتاج إلى رؤية تنفيذية. ويمكن أن تقوم هذه الرؤية على خمسة محاور مترابطة: أولاً،
التوسع في إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة بما يضمن توفير طاقة تنافسية
للصناعة. ثانياً، الإسراع في تطوير مشاريع الهيدروجين والأمونيا الخضراء في العقبة
وربطها بصناعات الفوسفات والأسمدة القائمة. ثالثاً، إنشاء مناطق صناعية خضراء
تستقطب الصناعات منخفضة الكربون والصناعات التصديرية الجديدة. رابعاً، الاستثمار
في البحث العلمي والتعليم والتدريب لبناء الكفاءات الوطنية القادرة على قيادة
اقتصاد الطاقة الجديد. وخامساً، بناء شراكات استراتيجية مع أوروبا ودول آسيا، التي
ستكون من أكبر المستوردين للهيدروجين والوقود الأخضر خلال العقود المقبلة.
إن نجاح الأردن في هذا التحول لن يقاس بعدد محطات
الطاقة الشمسية التي ينشئها، بل بقدرته على تحويل الطاقة النظيفة إلى قيمة مضافة،
وصناعات متقدمة، وصادرات جديدة، ووظائف ذات إنتاجية عالية. فكما شكّل النفط أساس
الاقتصاد العالمي في القرن العشرين، قد تصبح الطاقة النظيفة والصناعات الخضراء
أساس الاقتصاد العالمي في القرن الحادي والعشرين.
وإذا أحسن الأردن استثمار هذه اللحظة، ووفّر بيئة
استثمارية مستقرة، وربط مشروعات الطاقة بسياسة صناعية واضحة، فقد لا يكون مجرد
متابع للتحول العالمي، بل أحد المستفيدين الرئيسيين منه. وعندها لن تكون الشمس
والرياح مجرد موارد طبيعية، بل أصولاً اقتصادية قادرة على توليد النمو، ورفع
الإنتاجية، وتعزيز الصادرات، وخلق فرص العمل، ووضع الاقتصاد الأردني على مسار جديد
أكثر تنافسية واستدامة لعقود مقبلة.
نشر المقال في جريدة الرأي الأردنية/ 05 أيلول 2026
https://alrai.com/article/10974928/كتاب/ما-بعد-عصر-النفط-هل-يكون-الأردن-من-الفائزين
No comments:
Post a Comment