إذا أردنا النظر إلى المستقبل من منظور اقتصادي واستراتيجي، فإن السؤال ليس: هل سينهار الدولار؟ ولا هل سيواصل الذهب الصعود؟ بل: كيف سيتغير النظام النقدي العالمي خلال العقد القادم؟
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كان الدولار هو
العمود الفقري للنظام المالي العالمي. فهو يمثل أكبر عملة احتياطية، وتُسعّر به
معظم السلع الاستراتيجية كالنفط والغاز والقمح، كما أنه العملة الرئيسية في
التجارة الدولية والتمويل العالمي. ورغم تراجع حصته من الاحتياطيات الرسمية
تدريجياً على مدى العقدين الماضيين، فإنه، حسب نشرات صندوق النقد الدولي، ما يزال
يمثل نحو 57% من احتياطيات النقد الأجنبي المعلنة لدى البنوك المركزية، وهي نسبة
تفوق بكثير أي عملة منافسة.
لكن في المقابل، يشهد العالم ظاهرة لافتة تتمثل في
عودة الذهب إلى قلب النظام النقدي العالم. فالبنوك المركزية لم تعد
تنظر إلى الذهب على أنه مجرد أصل تاريخي، بل أصبحت تعتبره وسيلة للتحوط ضد المخاطر
الجيوسياسية، والعقوبات الاقتصادية، وارتفاع الديون السيادية، وتقلبات العملات.
وتشير أحدث استطلاعات مجلس الذهب العالمي إلى أن 84% من البنوك المركزية تتوقع
ارتفاع حصة الذهب في احتياطياتها خلال السنوات الخمس المقبلة>كما
بلغ متوسط مشتريات البنوك المركزية نحو ألف طن سنوياً خلال السنوات الأربع
الأخيرة، وهو ضعف متوسط العقد السابق تقريباً.
وهنا تظهر مفارقة مهمة. فكثيرون يتحدثون عن
"نهاية الدولار"، لكن الواقع أكثر تعقيداً. فالدول لا تتخلى عن الدولار
لتستبدله بعملة أخرى، وإنما تنوع احتياطياتها. فهي تزيد حيازتها من الذهب،
وترفع استخدام اليورو أو اليوان في بعض المعاملات، لكنها لا تزال تعتمد على
الدولار في الجزء الأكبر من التجارة والتمويل العالمي. ولذلك فإننا لا نشهد نهاية
هيمنة الدولار، بل بداية نظام نقدي أكثر تعددية.
أما الذهب، فمن المرجح أن يظل من أكبر المستفيدين خلال
السنوات القادمة لعدة أسباب. أولها استمرار التوترات الجيوسياسية، سواء في الشرق
الأوسط أو أوروبا أو آسيا. وثانيها ارتفاع مستويات الدين العام في الاقتصادات
الكبرى، مما يزيد الإقبال على الأصول التي لا ترتبط بالتزامات حكومة معينة.
وثالثها احتمال عودة البنوك المركزية إلى خفض أسعار الفائدة إذا تباطأ الاقتصاد
العالمي، وهو ما يدعم أسعار الذهب تاريخياً. ومع ذلك، ينبغي التذكير بأن الذهب أصل
شديد التقلب، ولا يدر عائداً دورياً مثل السندات، ولذلك يحذر صندوق النقد الدولي
من المبالغة في الاعتماد عليه باعتباره بديلاً كاملاً عن الأصول السائلة.
ومن ناحية أخرى، لا يزال الدولار يمتلك عناصر قوة يصعب
منافستها. فالولايات المتحدة تمتلك أكبر سوق للسندات الحكومية وأكثرها سيولة،
وأعمق الأسواق المالية، وأقوى شبكة مؤسسات مالية في العالم. كما أن معظم التجارة
الدولية، وأسواق المال، والتمويل المصرفي العالمي، لا تزال تتم بالدولار. وحتى
الدول التي تسعى إلى تقليل اعتمادها عليه لا تستطيع التخلي عنه بسهولة، لأن البديل
الذي يجمع بين السيولة، والثقة، والعمق المالي، لا يزال غير متوافر بالحجم نفسه.
لكن هذا لا يعني أن الدولار لن يواجه تحديات. فمن
المرجح أن تستمر حصته في الاحتياطيات العالمية بالتراجع تدريجياً، ليس بسبب
انهياره، وإنما نتيجة صعود أصول وعملات أخرى. فقد يزداد استخدام اليوان الصيني في
التجارة الثنائية، ويتوسع دور اليورو، كما قد تزداد أهمية العملات الرقمية للبنوك
المركزية في المدفوعات الدولية. غير أن هذه التطورات ستقود على الأرجح إلى تقاسم
أكبر للدور العالمي، لا إلى استبدال الدولار بالكامل.
ومن اللافت أن العلاقة التقليدية بين الذهب والدولار
أصبحت أقل وضوحاً مما كانت عليه في الماضي. فقد اعتاد المستثمرون على أن ارتفاع
الدولار يؤدي إلى انخفاض الذهب والعكس صحيح، لكن السنوات الأخيرة شهدت ارتفاعهما
معاً في بعض الفترات، نتيجة ازدياد الطلب على الأصول الآمنة في ظل الحروب
والاضطرابات، وقيام البنوك المركزية بشراء الذهب بكميات كبيرة. وهذا يعني أن الطلب
الرسمي على الذهب أصبح عاملاً مستقلاً يؤثر في الأسعار إلى جانب أسعار الفائدة
والدولار.
وعند النظر إلى العقد القادم، يبدو السيناريو الأكثر
ترجيحاً هو استمرار الدولار بوصفه العملة الاحتياطية الأولى في العالم، مع استمرار
ارتفاع الوزن النسبي للذهب في الاحتياطيات الرسمية. أي أننا نتجه نحو نظام مالي
عالمي يقوده الدولار، لكن يحتل فيه الذهب مكانة أكبر مما كانت عليه خلال العقود
الماضية.
ومن منظور المستثمر، فإن الدرس الأهم هو أن الذهب
والدولار ليسا خصمين، بل أداتان تؤديان وظيفتين مختلفتين. فالذهب يبقى أفضل وسيلة
للتحوط ضد الحروب والتضخم والأزمات المالية، بينما يبقى الدولار أهم مصدر للسيولة
العالمية وأداة التسعير الرئيسة للتجارة الدولية. ولذلك فإن المستقبل لا يبدو
مستقبل ذهب أو دولار، بل مستقبل ذهب أكثر داخل نظام لا يزال الدولار يقوده. وهذا،
في ضوء البيانات الحالية، هو السيناريو الذي تدعمه تحركات البنوك المركزية
واتجاهات الاحتياطيات العالمية والتطورات الجيوسياسية والاقتصادية.
No comments:
Post a Comment