أشارك في هذا المقال قصة نهوض ومسيرة دولة استونيا التنموية لما فيها من دروس وعبر. فهي احدى الدول المعجزة التي بدأت من الصفر أو ما يقاربه لتصبح من ضمن أكثر الدول تقدماً وتجربة يحتذى بها.
عندما حصلت إستونيا على استقلالها عام 1991 بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، لم
تكن تقف على أعتاب قصة نجاح، بل على حافة انهيار اقتصادي عميق. فالاقتصاد الاستوني
حينذاك كان اقتصاد مركزي متداعٍ، مؤسساته شبه غائبة، عملته غير مستقرة، وبنيته التحتية
ضعيفة.
كانت تلك لحظة تاريخية حرجة، حيث وجدت هذه الدولة الصغيرة نفسها أمام
خيارين: إما محاولة إعادة إنتاج نموذج اقتصادي تقليدي بطيء، أو القفز مباشرة نحو
المستقبل. اختارت إستونيا الطريق الأصعب والأذكى.
في أوائل التسعينيات، كان متوسط الدخل في إستونيا منخفضًا للغاية، ويُقدّر
دخل الفرد بحوالي 3,000 دولار سنويًا، أي أقل من 250 دولار شهرياً. كانت الأجور
متذبذبة بفعل التضخم والتحول النقدي. اليوم، وبعد ثلاثة عقود فقط، يصل الدخل
السنوي للفرد إلى أكثر من 30,000 دولار (يتجاوز متوسط الأجر الشهري 2,500 دولار). هذا التحول ليس مجرد تحسن تدريجي، بل
قفزة هيكلية تعكس إعادة بناء شاملة للاقتصاد والمجتمع.
ما الذي فعلته إستونيا ليحدث هذا التحول؟ البداية كانت بإصلاح اقتصادي جذري.
لم تتردد الحكومة في تحرير الأسعار بسرعة، وخصخصة قطاعات واسعة، وفتح الاقتصاد
أمام التجارة والاستثمار. كان الهدف واضحًا: الانتقال من اقتصاد مغلق غير كفؤ إلى
اقتصاد سوق تنافسي ومندمج عالميًا. لكن الإصلاح لم يكن اقتصاديًا فقط، بل كان
مؤسسيًا وفكريًا أيضًا. فبدل بناء نظام معقد، اختارت إستونيا البساطة كاستراتيجية.
في قلب هذه البساطة كان النظام الضريبي. تبنت إستونيا ضريبة دخل موحدة (نسبة
واحدة للجميع) لكن الأهم أنها أضافت عنصرًا ثوريًا: إعفاء الأرباح المعاد
استثمارها من الضريبة. بهذه الخطوة، تحوّل النظام الضريبي من أداة جباية إلى أداة
تحفيز للنمو، وشجّع الشركات على التوسع بدل توزيع الأرباح.
لكن التحول الحقيقي لم يكن في الضرائب، بل في الإنسان. في عام 1996،
أطلقت الحكومة برنامج "قفزة النمر"، الذي
استهدف إدخال الإنترنت إلى المدارس وتدريب المعلمين ودمج التكنولوجيا في التعليم.
لم يكن الهدف مجرد تحديث المناهج، بل بناء جيل رقمي بالكامل. هذا الجيل الذي تعلم
البرمجة واستخدام التكنولوجيا منذ سن مبكرة أصبح لاحقًا العمود الفقري للاقتصاد
الرقمي الإستوني.
بالتوازي مع ذلك، قررت إستونيا بناء دولة رقمية من الصفر. كل مواطن حصل على
هوية رقمية تُستخدم في جميع المعاملات: من التصويت إلى دفع الضرائب إلى توقيع
العقود. وتم إنشاء منصة "X-Road"،
وهي بنية رقمية تربط جميع مؤسسات الدولة وتسمح بتبادل البيانات بشكل آمن وفعال دون
مركزية. هذه المنصة لم تكن مجرد نظام تقني، بل كانت إعادة تعريف لكيفية عمل الدولة.
نتيجة لذلك، أصبحت 99% من الخدمات الحكومية في إستونيا متاحة عبر الإنترنت.
يمكن تأسيس شركة خلال دقائق، وتقديم الإقرار الضريبي في وقت قياسي، وإجراء معظم
المعاملات دون الحاجة إلى زيارة أي مؤسسة. هذه الكفاءة لم تقلل فقط من الوقت
والتكلفة، بل قللت من الفساد، ورفعت مستوى الثقة بين المواطن والدولة.
ولم تتوقف إستونيا عند حدودها الجغرافية. أطلقت برنامج "e-Residency"، الذي يسمح لأي شخص في
العالم بفتح شركة وإدارتها رقميًا من خلال إستونيا. هذا البرنامج حوّل الدولة إلى
منصة عالمية للأعمال، وجذب رواد أعمال من مختلف أنحاء العالم.
في هذا السياق، لم يكن مفاجئًا أن تخرج من إستونيا شركات تكنولوجية عالمية،
مثل سكايب Skype، وأن تتحول إلى بيئة خصبة للشركات الناشئة. لكن النجاح لم يكن
نتيجة حظ، بل نتيجة منظومة متكاملة: تعليم رقمي، قوانين مرنة، بنية تحتية ذكية،
وثقافة تشجع الابتكار.
حتى الأزمات تحولت إلى فرص. في عام 2007، تعرضت إستونيا لهجمات إلكترونية
واسعة. بدل أن تتراجع، استثمرت بقوة في الأمن السيبراني، وأصبحت لاحقًا مركزًا
عالميًا في هذا المجال، حتى أنها استضافت مؤسسات مرتبطة بـ حلف شمال الأطلسي
(الناتو).
ما يميز التجربة الإستونية ليس فقط السياسات، بل الاستمرارية. الحكومات
تغيّرت، لكن الرؤية لم تتغير. لم يكن هناك تراجع أو إعادة نظر في الاتجاه، بل
التزام طويل الأمد بالتحول الرقمي والاقتصادي.
اليوم، تُعد إستونيا من أكثر الدول تقدمًا في الحكومة الرقمية، ومن أسرع
الاقتصادات نموًا في أوروبا الشرقية. لكنها لم تصل إلى هذا الموقع بسبب الموارد
الطبيعية أو الموقع الجغرافي، بل بسبب قرار استراتيجي بالاستثمار في الإنسان
والتكنولوجيا والمؤسسات.
الدروس من هذه التجربة واضحة، لكنها ليست سهلة التطبيق. أولها أن الإصلاح
الحقيقي يتطلب جرأة في اتخاذ القرار وسرعة في التنفيذ. ثانيها أن التعليم وخاصة
التعليم المرتبط بالتكنولوجيا هو الأساس لأي تحول اقتصادي. ثالثها أن البساطة في
القوانين والأنظمة ليست ضعفًا، بل قوة. ورابعها أن الثقة بين المواطن والدولة ليست
نتيجة، بل شرط للنجاح.
لكن ربما أهم درس هو أن الدول لا تُبنى فقط بما تملكه من موارد، بل بما
تختار أن تصبحه. فحين زُرت المدينة الذكية في تالين عاصمة
استونيا، اعلمني القائمون عليها أن مباني هذه المدينة كانت سجون ومراكز تعذيب
للناشطين السياسين يستخدمها المستعمر آنذاك، وحين تحررت أستونيا من السوفييت حولها
الاستونيون وبتعديلات بسيطة وبأقل التكاليف الى مدينة ذكية يحتذى بها.
إستونيا لم تكن دولة غنية عندما بدأت، لكنها اختارت أن تكون دولة ذكية. لم
تنتظر الموارد، بل صنعتها من خلال المعرفة. لم تعتمد على الماضي، بل بنت المستقبل. وهنا تكمن الخلاصة: لم تصبح
إستونيا دولة متقدمة لأنها كانت غنية، بل أصبحت غنية لأنها قررت أن تتغير.
نشر هذا المقال في جريدة الرأي الاردنية
https://alrai.com/article/10956985/كتاب/إستونيا-من-القاع-إلى-القمة
No comments:
Post a Comment