Tuesday, May 19, 2026

روبنسون وماتسوكاتو في عمان (25 آذار 2026)

 بعيداً عن الأزمات الراهنة والاضطرابات في المنطقة، والتي يُرجّح أن تنحسر قريباً دون أن تُلحق ضرراً يُذكر بالأردن، أتناول في هذا المقال تصوراً افتراضياً لزيارة تقوم بها اقتصاديتان بارزتان إلى المملكة، مستحضراً خلاله بعضاً من أشهر مقولاتهما لتسليط الضوء على قراءة مختلفة للاقتصاد الأردني.

تخيل أن اثنتان من أبرز العقول الاقتصادية، جوان روبنسون من مواليد 1903 وماريانا ماتسوكاتو من مواليد 1968، وصلتا إلى عمّان، وجلستا معاً لتقييم الاقتصاد الأردني. الأولى، اقتصادية مهمة راحلة من جامعة كامبريدج وناقدة حادة للأسواق غير التنافسية تؤمن بأن الاقتصاد يجب أن يُفهم كما هو، لا كما تفترضه النماذج. والثانية، من أبرز الاقتصاديين المعاصرين، وهي أحد أهم من أعادوا تعريف دور الدولة باعتبارها صانعة للقيمة، لا مجرد مُنظِّم أو مُصحّح.

لو اجتمعت جوان روبنسون وماريانا ماتسوكاتو في عمّان، فلن يكون النقاش حول الأرقام فقط، بل حول: كيف يعمل الاقتصاد فعلياً، وكيف تُخلق القيمة المضافة، وكيف يمكن للدولة والسوق معاً أن يبنيا اقتصاداً أكثر إنتاجية واستدامة.

ماذا كانتا ستقولان؟ ستبدأ روبنسون الحديث، بنبرتها النقدية المعهودة، قائلة عبارتها الشهيرة: "الهدف من دراسة الاقتصاد ليس الحصول على إجابات جاهزة، بل أن نتعلم كيف لا ننخدع بالاقتصاديين." ثم ستنظر إلى المؤشرات الاقتصادية الأردنية، وتسأل سؤالاً بسيطاً (لكنه حاد): "هل هذا الاقتصاد يعكس ما تقوله النماذج… أم أن النماذج هي التي تتجاهل واقعه؟"

ستبدأ جوان روبنسون بالسؤال الذي كانت تحبه دائماً: "هل هذا اقتصاد تنافسي فعلاً، أم هو اقتصاد تُشكّله قوى احتكارية غير مرئية؟" و"هل الأسواق تنافسية… أم أن المنافسة مجرد افتراض نظري؟"

ستنظر إلى بعض القطاعات، وستلاحظ أن عدد اللاعبين محدود، وأن الأسعار لا تنخفض بسهولة بعد أن ترتفع (أي أنها لزجة الهبوط)، وأن الإنتاج لا يتوسع بالسرعة المطلوبة. وستقول: "إذا لم تكن الأسواق تنافسية، فلا تتوقعوا استثماراً قوياً ولا نمواً مرتفعاً." و"المشكلة ليست في السوق… بل في كيفية عمل السوق."

وستتوقف روبنسون سريعاً عند سوق العمل. لن يلفت انتباهها معدل البطالة فقط، بل استمراريته، فالبطالة المرتفعة لسنوات طويلة لا تعني في نظرها تقلباً دورياً، بل خللاً أعمق في بنية الاقتصاد، وستقول، "إذا استمرت البطالة، فالمشكلة ليست في الأجور… بل في الطلب الذي لا يخلق إنتاجاً." ولن تكتفي بذلك بل ستضيف، "وإذا لم يتحول الطلب إلى إنتاج محلي، فأنتم لا تعانون فقط من نقص الطلب… بل من تسربه". لتضع يدها على أحد من أهم قضايا الاقتصاد الأردني وهي أن جزء كبير من الإنفاق لا يبقى داخل الاقتصاد.

هنا ستدخل ماريانا ماتسوكاتو النقاش، وتغيّر زاويته فتتساءل: "أنتم تتحدثون عن السوق… لكن أين الدولة في هذه القصة؟" ففي نظرها، المشكلة في كثير من الدول ليست أن الدولة كبيرة أو صغيرة، بل أن الدولة: "غير موجّهة نحو خلق القيمة." ستنظر إلى السياسات الاقتصادية، وتسأل: "هل هناك رؤية إنتاجية واضحة؟" "هل يتم توجيه الاستثمار نحو قطاعات مستقبلية؟" "هل الدولة تقود الابتكار… أم تنتظر السوق؟" ثم ستقول: "الدولة ليست فقط مصححاً لفشل السوق، بل شريكاً في خلق الأسواق".

وستقول ماتسوكاتو أن الأردن يمتلك عناصر مهمة، منها: الاستقرار النسبي لأكثر من نصف قرن، وموقع جغرافي استراتيجي، ورأس مال بشري متعلم. وستشير إلى أن هذه العناصر لم تُحوّل بعد إلى مشروع اقتصادي واضح المعالم، حيث أن "الاقتصاد لا ينمو فقط بالاستقرار… بل بالاتجاه."

 

وستتفقان على نقطة مركزية: ليس كل إنفاق متساوياً. فتقول روبنسون: "إذا كان الإنفاق لا يولّد إنتاجاً محلياً، فهو ضعيف الأثر...النمو الحقيقي هو الذي يغير قدرة الاقتصاد على الإنتاج، لا فقط حجمه." وتضيف ماتسوكاتو، "القيمة لا تُخلق في الاستهلاك، بل في الابتكار والإنتاج...وإذا لم يكن موجهاً نحو خلق قيمة مستقبلية، فهو إنفاق ضائع."

كم هو جميل هذا الحوار، وكم يحتوي من زخم من الحكمة والنصائح المبنية على المعرفة والتجارب، مما يقود الى مفهوم المضاعف الاقتصادي، والسؤال المهم: هل يبقى الدينار داخل الاقتصاد ويدور ليحرك الطلب ثم العرض؟ أم يخرج سريعاً عبر الاستيراد؟ فتقول روبنسون "إذا كان الدينار لا يدور داخل الاقتصاد، فلا تتوقعوا أثراً كبيراً." وتضيف ماتسوكاتو، "وإذا لم يكن موجهاً نحو خلق قيمة مستقبلية، فهو إنفاق بلا اتجاه."

اتفقتا بعد نقاش طويل على تشخيص ثلاثي: أولا، هنالك تسرب اقتصادي مرتفع اذ يذهب جزء كبير من الطلب إلى الخارج، مما يضعف أثر الانفاق على النمو. ثانيا، بنية السوق غير مكتملة المنافسة فبعض القطاعات لا تشجع التوسع والاستثمار. ثالثا، يحتاج دور الدولة الى التوجيه نحو خلق القيمة الإنتاجية.

وستقترح روبنسون تعزيز المنافسة الحقيقية، وكسر الاحتكارات غير الفعالة، وربط الأسعار والإنتاج بالواقع لا بالنماذج. أما ماتسوكاتو، فستؤكد على توجيه الاستثمار نحو قطاعات استراتيجية، وبناء "مهمات وطنية" مثل المياه، والطاقة، والصناعة، وجعل الدولة شريكاً في الابتكار، لا مجرد منظّم. وربما ستتفقان على عبارة واحدة: "المشكلة ليست في حجم الاقتصاد…بل في نوعيته."

وفي النهاية، قد تتركان توصية (رغم كونها بسيطة لكنها عميقة)، "لا تسألوا فقط: كم ننمو؟
بل اسألوا: ماذا ننتج… وكيف ننتج… ولمن؟" في النهاية، ليست هذه زيارة حقيقية، لكنها تطرح سؤالاً حقيقياً: هل نريد اقتصاداً ينمو فقط… أم اقتصاداً ينتج ويبتكر ويستدام؟


نشر المقال في جريدة الرأي الأردنية 25/03/2026

https://alrai.com/article/10949569/كتاب/روبنسون-وماتسوكاتو-في-عمان


ماذا تعني حرب إيران للأردن؟ (27 آذار 2026)

في كل مرة ترتفع فيها التوقعات بقرب وقف إطلاق النار، تعود المنطقة لتذكّرنا بأن الحروب لا تنتهي عندما تُطرح المبادرات، بل عندما تتقاطع المصالح. في اللحظة الراهنة، لا يبدو أن هذا التقاطع قد حدث بعد.

التسريبات كثيرة، وتتحدث عن هدنة وشيكة تعكس وجود مسار تفاوضي حقيقي، لكنها لا تعني أن الاتفاق جاهز. ما يجري اليوم يمكن أن يسمى تفاوض تحت النار، حيث تحاول الأطراف تحسين شروطها ميدانيًا قبل أن تجلس إلى الطاولة السياسية. ولهذا، فإن السؤال الأهم ليس: هل سيكون هناك وقف لإطلاق النار؟ بل: تحت أي شروط، وعلى حساب من؟

الولايات المتحدة تدفع نحو التهدئة (خاصة مع الشروخ الداخلية ضمن حزبيها حول مدى تقبل الحرب)، لكنها تهدئة مشروطة. الهدف المعلن إعادة تشكيل سلوك إيران الإقليمي وتقليص قدراتها الاستراتيجية. في المقابل، تسعى إيران إلى تجنب الظهور بمظهر الطرف المهزوم، وتريد وقف القتال دون تقديم تنازلات تمس جوهر نفوذها. أما إسرائيل، فهي تبدو أقل استعجالًا للتهدئة، وأكثر ميلًا إلى استمرار الضغط لتحقيق مكاسب أكبر.

الجميع يريد وقف الحرب، لكن ليس بالشروط نفسها. لذا إن السيناريو الأكثر ترجيحًا ليس سلام سريع ولا حرب شاملة، بل ما يمكن وصفه ب “التصعيد المحسوب“، أي استمرار العمليات العسكرية ضمن سقف معين، مع إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة. هذا النوع من الصراعات هو الأخطر اقتصاديًا، لأنه يطيل أمد عدم اليقين دون أن يسمح لأسواق الدول بالتكيّف الكامل مع المتغيرات.

هذه الأزمة ليست بعيدة بالنسبة للأردن. صحيح أن المملكة ليست طرفًا مباشرًا في الصراع، لكنها تقع في قلب شبكة الوقع الاقتصادي المرتبطة بالصراع. فالخطر الأكبر لا يأتي من الصواريخ، بل من النفط، والشحن، والثقة الاقتصادية.

أي تهديد للإمدادات عبر مضيق هرمز سينعكس فورًا على أسعار النفط عالميا. ففي اقتصاد مستورد للطاقة كالاقتصاد الأردني، لا تحتاج الأزمة إلى وقت طويل حتى تظهر آثارها السالبة على كلف النفط والكهرباء والنقل في الأردن. ومع استمرار الأسعار فوق مستويات مرتفعة، يتحول الضغط من كونه مؤقتًا إلى عبء هيكلي على المالية العامة.

كما أن أي تعطّل في أو ارتفاع كلفة النقل عبر باب المندب لا يعني فقط زيادة أسعار السلع المستوردة، بل أيضًا تأخير وصولها، ما يضغط على القطاع الصناعي وسلاسل الإمداد. ومع تزايد المخاطر في الممرات البحرية، تصبح تكلفة “عدم اليقين" أعلى من تكلفة النقل نفسها، إذ تشجع على رفع تكاليف التأمين والتحوط الزائد وبالتالي انحسار العرض.

ومن ناحية ثالثة، وربما تكون الأكثر حساسية، سيكون الأثر على السياحة والثقة الاستثمارية. ففي منطقة مشتعلة، لا يميّز السائح كثيرًا بين دولة مستقرة وأخرى متوترة. يكفي أن ترتبط المنطقة في الذهن العالمي بكلمة "حرب" حتى تبدأ الحجوزات بالتراجع، والاستثمارات بالتأجيل. وهذا مهم للأردن، حيث تمثل السياحة أحد أهم مصادر النقد الأجنبي، كما أن الاستثمارات مهمة للمشاريع المطروحة.

النتائج ليست كارثة، لكن لا يجب بأي حال تجاهلها. لهذا، فإن التحدي الذي يواجه الأردن ليس عسكريًا، بل اقتصادي بامتياز: كيف يمكن امتصاص صدمة خارجية لا نتحكم فيها؟ بداية، أتوقع أن يكون السيناريو الأكثر ترجيحًا خلال الأسابيع القادمة هو استمرار التصعيد ضمن حدود، دون انزلاق إلى حرب شاملة. مما يعني بالنسبة للأردن نمو أبطأ لهذا العام (حوالي 2.1%)، تضخم أعلى (يتراوح بين 3% إلى 4%)، ارتفاع البطالة الى 22.8%، وضغط متزايد على الموازنة (ارتفاع العجز الى 5.4%).

في مثل هذه الظروف، تصبح السياسة الاقتصادية أداة دفاع أولى. إدارة صدمة الطاقة يجب أن تكون أولوية، سواء عبر أدوات التحوط، أو سياسات تسعير أكثر مرونة، أو تعزيز الاعتماد على مصادر بديلة. كذلك، تحتاج المالية العامة إلى رفع مستويات الانضباط مع تركيز توجيه الانفاق لتعظيم أثره للحفاظ على الثقة في الاقتصاد.

كما يجب التحرك سريعًا لحماية القطاعات الأكثر تعرضًا، وعلى رأسها السياحة. الحملات الترويجية، والحوافز، والتأكيد على استقرار الأردن، كلها أدوات ضرورية لتقليل أثر الحرب في المنطقة على الأداء المحلي. كما أن تأمين سلاسل الإمداد عبر تنويع مصادر الاستيراد وتعزيز المخزون الاستراتيجي ليس خيارًا بل ضرورة.

الأهم من كل ذلك هو الإدراك بأن هذه الأزمة قد لا تكون قصيرة. التصعيد قد يكون طويل نسبيًا، لأنه يقوم على موازنة دقيقة بين الضغط والتفاوض. وهذا يعني أن السياسات يجب أن تُبنى على أساس الاستمرارية والاستدامة، لا على أمل انتهاء سريع للأزمة.

في النهاية، المنطقة اليوم قد لا تكون على أعتاب سلام سريع، ولا في حرب شاملة مؤكدة. هي في مرحلة أكثر تعقيدًا يمكن أن تنزلق في أي اتجاه. وبينما تتنافس القوى الكبرى على رسم ملامح ما بعد الحرب، يبقى على دول مثل الأردن أن تركز على ما تستطيع التحكم فيه، وهو تعزيز مرونتها الاقتصادية، وتقليل تعرضها للصدمات الخارجية. ففي عالم مضطرب، لا يكفي أن تكون بعيدًا عن الحرببل يجب أن تكون مستعدًا لتداعياتها.


نشر المقال في جريدة الرأي الأردنية  27/03/2026

https://alrai.com/article/10949765/كتاب/ماذا-تعني-حرب-إيران-للأردن

إذا طال أمد الحرب (01 نيسان 2026)

 أدت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إلى زعزعة استقرار منطقة الشرق الأوسط بأكملها، وتسببت في خسائر بشرية وبيئية فادحة، ونتج عنها أحد أكبر تقلبات أسعار النفط المسجلة على الإطلاق. ومع تداعيات هذه الحرب التي تتردد أصداؤها في أسواق الأسهم العالمية وتدفع الحكومات إلى زيادة الاقتراض، يجب على صانعي السياسات إدراك أن هذا النوع من صدمات الطاقة ليس أزمة معزولة وقصيرة الأجل، بل هو واقع جديد، والسؤال الحقيقي ليس عمّا سيحدث، بل عن مدى استعدادنا إن حدث.

ففي خضم التوترات الإقليمية، يكثر الحديث عن الحرب وتأثيراتها، لكن السؤال الاقتصادي الأهم للأردن ليس عسكريًا، بل مالي بامتياز: كم تستطيع الموازنة أن تتحمل إذا طال أمد الأزمة؟

حتى الآن، لا يواجه الأردن أزمة توافر طاقة. الكهرباء مستمرة، والإمدادات لم تنقطع. لكن التحدي الحقيقي يكمن في كلفة هذه الطاقة. فالتقديرات الرسمية تشير إلى أن الحكومة تتحمل كلفة إضافية في قطاع الطاقة تتراوح بين 2.5 و3 ملايين دينار يوميًا، نتيجة ارتفاع أسعار الوقود والاضطرار للتحول إلى بدائل أغلى لتوليد الكهرباء.

هذا الرقم، بالرغم من بساطته الظاهرية، يُعني (وحسب الأسعار الحالية للنفط والغاز) أن كل يوم إضافي من الحرب يضيف عبئًا مباشرًا على المالية العامة في الأردن. وإذا تُرجم إلى أفق زمني، فإن شهرًا واحدًا فقط يعني نحو 90 مليون دينار، وقد يصل الرقم إلى 270 مليون دينار خلال ثلاثة أشهر، ويتجاوز نصف مليار دينار إذا امتدت الأزمة لنصف عام ولم ترتفع كلف الطاقة أكثر من مستواها الحالي.

لكن الأرقام لا تُقرأ بمعزل عن السياق. فالأردن يدخل هذه الأزمة وهو أصلًا يعمل ضمن حيز مالي محدود، مع عجز في الموازنة يقارب 5% من الناتج المحلي الاجمالي، ودين عام يدور حول 88% من الناتج (دون احتساب الاقتراض من صندوق الضمان الاجتماعي). وهي أرقام قابلة للإدارة في الظروف الطبيعية، لكنها تصبح أكثر حساسية عند حدوث صدمات خارجية.

لفهم الصورة بشكل أدق، لا بد من النظر إلى السيناريوهات المحتملة لاستدامة الحرب عملا بمبدأ "إذا أردت أن تتوقع، توقع كثيراً". التقدير الأقرب حاليًا هو أن الحرب لن تكون قصيرة جدًا، ولا شاملة بالكامل، بل ستأخذ شكل تصعيد محدود ممتد. هذا السيناريو، الذي يمكن أن يستمر بين شهرين وأربعة أشهر، يحمل احتمالًا يقارب 50 إلى 60%، وهو ما تُبنى عليه معظم القراءات الاقتصادية الدولية.

في هذا السيناريو، يمكن أن ترتفع كلفة الطاقة الإضافية إلى نحو 270 مليون دينار خلال ثلاثة أشهر، مما قد يدفع العجز إلى حدود 5.5% أو أكثر، ويرفع نسبة الدين تدريجيًا. كما يُتوقع أن يتباطأ النمو الاقتصادي إلى ما بين 1.8% و2.1%، نتيجة ارتفاع الكُلف وتراجع بعض القطاعات، خاصة السياحة.

أما إذا كانت الأزمة قصيرة (شهر واحد مثلًا) فإن الأثر يبقى محدودًا نسبيًا. يرتفع العجز قليلًا، ويتباطأ النمو بشكل طفيف، لكن الاقتصاد يستطيع امتصاص الصدمة. هذا السيناريو يحمل احتمالًا أقل، بحدود 25 إلى 30%.

في المقابل، يبقى هناك سيناريو أكثر سلبية، يتمثل في توسع إقليمي للحرب واستمرارها لفترة أطول. هذا السيناريو، رغم أن احتماله أقل (15 إلى 25%)، إلا أن أثره أكبر بكثير. فقد يرتفع العجز إلى 6% أو أكثر، ويقترب الدين من 90% من الناتج، مع تباطؤ النمو إلى حدود 1% أو أقل.

وهناك سيناريو أخير، أقل احتمالًا لكنه الأكثر كلفة، وهو الحرب الطويلة والشاملة. في هذه الحالة، قد يتجاوز العجز 7%، ويقترب الدين من 91% أو أكثر، مع نمو ضعيف جدًا أو شبه صفري. لكن هذا السيناريو لا يزال بعيدًا عن التوقعات الأساسية في الوقت الحالي.

ما الذي تُعنيه هذه السيناريوهات عمليًا؟ تُعني أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الرقم اليومي (3 ملايين دينار) بل في تراكم هذا الرقم عبر الزمن. فشهر واحد يعني ضغطًا ماليًا يمكن احتواؤه، وثلاثة أشهر تعني ضغطًا اقتصاديًا واضحًا، أما ستة أشهر أو أكثر، فقد تعني تحولًا في مسار المالية العامة.

في هذا السياق، يمكن فهم قرار الحكومة بعدم تمرير ارتفاع الأسعار مباشرة إلى المواطنين. فهذا القرار يحمي الطلب المحلي، ويمنع انتقال التضخم بسرعة إلى الاقتصاد، ويحافظ على الاستقرار الاجتماعي. لكنه في المقابل يعني أن الدولة تقوم عمليًا بتأجيل الكلفة بدل إلغائها. وهنا تكمن المفارقة، نجاح الحكومة اليوم في حماية المواطن من ارتفاع الأسعار، يقابله ضغط متزايد على الموازنة في المستقبل.

هل هذا القرار صحيح؟ في الأزمات، غالبًا نعم. لأن تمرير الصدمة فورًا قد يؤدي إلى تضخم حاد وتباطؤ اقتصادي أكبر (ركود تضخمي)، لكن هذا الخيار لا يمكن أن يستمر طويلًا دون كلفة فالامر يتطلب مرونة اقتصادية: تغييرًا ليس فقط في أنواع الطاقة التي نستهلكها، بل أيضًا في كيفية ومكان ومن يقوم بإنتاج السلع.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي ليس في دفع الكلفة، بل في إدارتها، أي كيف يمكن توزيعها عبر الزمن، وتخفيف أثرها، وتقليل تكرارها مستقبلاً؟ في النهاية، لا يواجه الأردن أزمة طاقة، بل أزمة أسعار، وهذا فرق جوهري. الأزمة الأولى تعني توقف الاقتصاد، أما الثانية فتعني ضغطًا ماليًا يمكن التعامل معه، لكن بحذر، فالحروب لا تُخاض فقط في ساحات المعارك؛ بل تُموَّل في الميزانيات ويُشعر بها في الأسعار.

الرسالة الأهم التي يمكن قولها اليوم هي: الوضع تحت السيطرة من حيث توفر الطاقة، لكنه مكلف ماليًا، وكلما قصرت مدة الأزمة، بقي أثرها محدودًا. أما إذا طالت، فإن السؤال سيتغير من: كم نخسر يوميًا؟ إلى: كم يمكن أن نتحمل قبل أن نغيّر السياسات؟


نشر المقال في جريدة الرأي الأردنية 01/04/2026

https://alrai.com/article/10950663/كتاب/إذا-طال-أمد-الحرب


البندورة والعاصفة المثالية (14 نيسان 2026)

 في كل مرة ترتفع فيها أسعار البندورة في الأردن، أتساءل وربما تتساءل أنت أيضا: هل السبب هو التصدير؟ غالباً ما تكون الإجابة الشعبية سريعة وبسيطة: نعم، التصدير "يسحب" المنتج من السوق المحلي. لكن هذه الإجابة، رغم جاذبيتها وسهولتها، تخفي الحقيقة الأهم المشكلة ليست في التصدير، بل في هيكل الإنتاج الزراعي نفسه.

تشير البيانات التاريخية لأسعار البندورة في الأردن إلى تقلبات حادة؛ إذ تراوحت الأسعار بين أقل من 0.10 دينار للكيلوغرام في بعض المواسم إلى أكثر من 1.50 دينار في عام 2026. كما ارتفعت القمم السعرية تدريجياً من نحو 0.6 دينار قبل عام 2020 إلى أكثر من 1.5 دينار حالياً، ما يعكس زيادة حساسية السوق لنقص الإنتاج وارتفاع تكاليفه. هذه التقلبات ليست عشوائية، بل تعكس دورة متكررة من الخسائر والفائض والنقص، مما يؤكد غياب الاستقرار الهيكلي في القطاع.

ما شهده الأردن خلال هذا العام، وخاصة في الشهر الماضي، هو مثال واضح على ما يسميه الاقتصاديون "صدمة عرض" أي أن الكميات المتاحة (المعروضة) في السوق انخفضت بشكل ملموس، فارتفعت الأسعار تلقائياً. وهذا ليس حدثاً استثنائياً، بل نمط متكرر للأسف في أنموذج الزراعة الأردنية.

السبب الأول والأهم لارتفاع الأسعار كان تراجع الإنتاج. الظروف الجوية، وخاصة موجات البرد، أثرت على الإنتاج في الأغوار، وأخّرت نضوج المحصول. كما أن الفجوة بين  الفترات الانتقالية بين مواسم الزراعة أدت إلى نقص مؤقت في المعروض. والعامل الأكثر عمقاً هو أن عدداً من المزارعين عزفوا عن زراعة البندورة أصلا. لماذا؟ لأنهم تكبدوا خسائر في مواسم سابقة عندما انهارت الأسعار.

هذه الديناميكية تخلق دورة خطيرة: سنة خسائر، مما يقود الى خروج مزارعين، فينتج عن هذا نقص إنتاج وتراجع في العرض، وبالتالي ارتفاع في الأسعار، يتبعه عودة للزراعة للموسم القادم بسبب ارتفاع الأسعار، مما يؤدي الى فائض كمي وانهيار الأسعار مجدداً. بالنتيجة، هذه الدورة الزراعية تقود الى أن السوق ليس سوقاً مستقرا، بل سوق يتأرجح بين الفائض الحاد والنقص الحاد.

هل التصدير هو سبب ارتفاع الأسعار؟ الوقائع تشير الى غير ذلك. خلال فترات ارتفاع الأسعار، قامت الحكومة في الواقع بـ تقييد التصدير، بل وأحياناً إيقافه مؤقتاً. وهذا بحد ذاته دليل على أن المشكلة لم تكن في الطلب الخارجي، بل في نقص الكميات محلياً. اقتصادياً، نعم، التصدير يمكن أن يرفع الأسعار المحلية إذا كانت الكميات محدودة. لكن في هذه الحالة، التصدير لم يكن المحرك، بل عامل ثانوي جاء بعد أن بدأت الأزمة. أما الحديث عن تصدير واسع إلى إسرائيل أو زيادة غير طبيعية في التصدير لدول الخليج، فلا توجد بيانات موثقة تشير إلى أنه كان عاملاً حاسماً في هذه الموجة السعرية.

ما تكشفه أزمة البندورة هو خلل أعمق بكثير، وهو غياب التخطيط الإنتاجي في القطاع الزراعي، حيث لا توجد "خريطة زراعية" واضحة تحدد ماذا يُزرع، وأين، وبأي كميات، وبأي توقيت. بينما يختلف الوضع كليا في الاقتصادات الزراعية المتقدمة، أذ يتم توزيع الإنتاج لكي لا يحدث فائض كبير يؤدي لانهيار الأسعار، ولا نقص حاد يؤدي لارتفاعها. أما في الأردن، فإن قرارات الزراعة تُترك غالباً للمزارعين بشكل فردي، بناءً على توقعاتهم للأسعار، وليس بناءً على معلومات سوقية دقيقة أو توجيه مؤسسي.

بالمحصلة، إن ارتفاع أسعار البندورة ليس مجرد مشكلة استهلاكية، بل له آثار اقتصادية أوسع: أولاً، عندما ترتفع أسعار سلعة أساسية، تتأثر سلة الاستهلاك بالكامل أي يؤدي ذلك للضغط على التضخم الغذائي. ثانياً، تراجع الثقة بالسوق، نتيجة شعور المستهلك أن الأسعار غير مستقرة، وأيضا شعور المزارع أن دخله غير مضمون. ثالثاً، تشوه قرارات الإنتاج
إذ تدفع الأسعار المرتفعة اليوم  لزراعة مفرطة غداً، ما يعيد دورة الانهيار.

لماذا ترتفع الأسعار هذا العام أكثر من 2025؟ الفرق بين هذا العام والعام الماضي يعود إلى عدة عوامل متزامنة، منها أن الظروف الجوية هذا العام كانت أكثر قسوة أثرت على الإنتاج، وحدوث تراجع أكبر في المساحات المزروعة، وارتفاع تكاليف الإنتاج (أسمدة، طاقة، نقل، وعمالة)، وحدوث فجوة موسمية أكثر حدة. أي أن الزراعة في الأردن واجهت ما يسمى "عاصفة مثالية" وهو تعبير يستخدم لوصف حالة تتزامن فيها عدة عوامل سلبية مستقلة في نفس الوقت، بحيث يتضاعف تأثيرها وتنتج أزمة أكبر بكثير من تأثير كل عامل لوحده. يعني هذا اقتصادياً تلاقي صدمات متعددة (عرض، طلب، سياسات، أو عوامل خارجية) في وقت واحد، تؤدي في مجموعها إلى نتيجة حادة وغير متوقعة.

الحل ليس في منع التصدير (إلا إن كان هدف المنع سياسي)، لأن ذلك يضر بالمزارع على المدى الطويل ويقوّض من قدرته على الوصول إلى الأسواق الخارجية. بل إن الحل يكمن في إصلاح هيكل القطاع الزراعي من خلال إنشاء نظام معلومات زراعي يزوّد المزارعين ببيانات دقيقة عن الإنتاج والأسعار، وتطوير خريطة إنتاج وطنية لتوزيع المحاصيل، ودعم الزراعة التعاقدية لتقليل المخاطر، والاستثمار في التخزين والتبريد لتقليل التقلبات، وتحسين إدارة حلقات التزويد الزراعية.


نشر المقال في جريدة الرأي الأردنية - 14/04/2026

 https://alrai.com/article/10952680/كتاب/البندورة-والعاصفة-المثالية


عمّان وإسطنبول، إجراءات وحوافز (26 نيسان 2026)

أقر الأردن مؤخرا (نيسان 2026) تعديلات جديدة على نظام بيئة الاستثمار في  ضمن رؤية التحديث الاقتصاد،  وأعلنت تركيا خلال الشهر ذاته حزمة استثمارية قوية جداً. لا بد من الإشارة الى أن الحراك من قبل البلدين لجذب الاستثمارات في ظل التطورات الأخيرة في المنطقة مهم جدا لكليهما.

الإصلاحات الأردنية في جوهرها إصلاحات مؤسسية وتنظيمية عميقة هدفها تقليل التعقيد، ورفع الثقة، وتحسين بيئة الأعمال. فلقد ركّز الإصلاح الأخير في نظام الاستثمار في الأردن على تبسيط الإجراءات وتقليل البيروقراطية (إزالة التداخل بين الأنظمة، وتوحيد المفاهيم التنظيمية، وتقليل زمن وكلفة الترخيص) لنقل تشريعات الاستثمار من نظام إداري معقد إلى نظام أكثر وضوحاً وسرعة في التنفيذ.

كما قدمت التعديلات  مفهوم جديد طالبت به منذ بداية القرن، وهو "الترخيص مقابل الالتزام" حيث يمكّن النظام إعطاء الترخيص قبل التنفيذ الكامل للإجراءات القانونية ليتم التحقق لاحقاً من الالتزام  بها، وهو تحول مهم من "موافقة مسبقة صارمة"  قد تؤدي الى تأخير بدء الاستثمار وبالتالي تأجيل الاستفادة منه إلى نظام قائم على الثقة والرقابة اللاحقة. وهي خطوة تحتاج الى مراقبة  ومتابعة لاحقة كفؤين.

أيضا، تم توسيع الحوافز الاستثمارية بحيث لم تعد الحوافز فقط للمشاريع الجديدة بل أصبحت تشمل التوسعات وإعادة الاستثمار مما يشجع الاستثمار القائم وليس فقط الاستثمار الجديد. وهي خطوة عقلانية ومرحب بها.

وتمشيا مع رؤية التحديث فإن الإصلاحات تدعم أيضا الاستثمارات المستدامة وعملية خلق الوظائف من خلال ربط الحوافز بالتشغيل والاستدامة، وتحسن جودة الخدمات الحكومية من خلال رقمنة الإجراءات ورفع كفاءة المؤسسات.

ماذا فعلت تركيا مؤخراً (2025–2026)؟ قدمت تركيا حوافز مالية ضخمة بالفعل، وهي حوافز تستطيعها تركيا ذات اقتصاد  يقارب حجمه 1.6 مليار دولار، أي حوالي 27 ضعف حجم الاقتصاد الأردني، كما تبلغ نسبة الدين العام الى الناتج المحلي الأجمالي حوالي25% – 35%  وهي نسبة  منخفضة جدا إذا قورنت بالنسبة في الأردن (118%).

فلقد أعلنت تركياخلال الأيام الأخيرة حزمة استثمارية قوية جداً (أبريل 2026)، منها تخفيض ضريبة الشركات بشكل كبير لتصبح 9% بدلا من 25% للمصدرين الصناعيين و14%  لبقية المصدرين. كما قدمت  إعفاءات ضريبية واسعة، منها إعفاء كامل أو شبه كامل على تجارة الترانزيت، والأرباح الخارجية، وإعفاء ضريبي 20 سنة للأجانب الأفراد غير المقيمين سابقاً، و0%  ضريبة على الدخل الخارجي لمدة 20 سنة، وهو إجراء شديد الجاذبية لرؤوس الأموال. وقدمت حوافز مالية مباشرة (إعفاء جمركي وضريبي، دعم التأمينات الاجتماعية، دعم الفوائد، تخصيص الأراضي)، وأوجدت برنامج دعم للاستثمار التكنولوجي بقيمة30  مليار دولار. وإجرائيا اعتمدت نظام "الشباك الواحد" ليتم في منصة واحدة من خلاله تأسيس الشركات، منح التصاريح، دفع الضرائب، ومنح الإقامة.

الأردن وتركيا لا يتنافسان بنفس الأداة لجذب الاستثمارات. من الواضح أن  الأردن يعتمد نموذج "تحسين البيئة" (خفض تكلفة المعاملات، تحسن الثقة المؤسسية ) سيكون تأثيره على الأمد المتوسط الأجل، غير أنه  مناسب لاقتصاد الأردن (صغير، محدود الموارد، ويعتمد على الأمن والاستقرار). أما النموذج التركي، فيمكن تسميته بنموذج "تحفيز الربحية" (يخفض الضرائب بشكل كبير، يزيد العائد على الاستثمار مباشرة)  سيكون تأثيره على الأمد القصير إلى المتوسط. وهو  مناسب لاقتصاد صناعي كبير يعتمد على التصدير.

تمثل الإصلاحات الأردنية الأخيرة  تحولاً مؤسسياً نحو تبسيط الإجراءات وتحسين بيئة الأعمال، بينما تعتمد تركيا على حوافز ضريبية ومالية واسعة النطاق لزيادة جاذبية الاستثمار بسرعة. وعلى الرغم من أن النهج التركي قد يكون أكثر تأثيراً على تدفقات الاستثمار قصيرة الأجل، فإن النهج الأردني قد يكون أكثر استدامة على المدى الطويل إذا ترافق مع حوافز مالية موجهة.


نشر المقال في جريدة الرأي الأردنية/  26/04/2026

https://alrai.com/article/10954494/كتاب/عمان-وإسطنبول-إجراءات-وحوافز


صدمة الطاقة: فرصة لإعادة بناء الاقتصاد لا لإدارته فقط (28 نيسان 2026)

 في عالم يتزايد فيه عدم اليقين الجيوسياسي، لم تعد صدمات الطاقة أحداثاً استثنائية، بل أصبحت جزءاً من الواقع الاقتصادي الجديد. ما نشهده اليوم من تقلبات حادة في أسعار النفط والغاز، نتيجة الصراعات الإقليمية وتوترات سلاسل الإمداد، يفرض على الحكومات إعادة التفكير ليس فقط في سياسات الطاقة، بل في النموذج الاقتصادي بأكمله.

الخطأ الأكبر الذي قد تقع به الدول هو التعامل مع صدمة الطاقة على أنها أزمة مؤقتة تتطلب حلولاً سريعة. في الحقيقة، هذه الصدمات تكشف هشاشة بنيوية في الاقتصاد، خاصة في الدول التي تعتمد بشكل كبير على مصادر طاقة مستوردة أو على نماذج إنتاج غير متنوعة.

تجربة المملكة المتحدة خلال السنوات الأخيرة تقدم درساً واضحاً. فقد أدى الاعتماد الكبير على الغاز الطبيعي، إلى جانب ضعف القدرة التخزينية، إلى ارتفاع أسعار الطاقة بشكل حاد. وعلى الرغم من الجهود المبذولة للتحول نحو الطاقة النظيفة، إلا أن ارتباط أسعار الكهرباء بأسعار الغاز ظل قائماً، ما جعل الاقتصاد عرضة لصدمات خارجية متكررة.

المشكلة لا تقتصر على ارتفاع الأسعار فقط، بل تمتد إلى طريقة توزيع الأعباء داخل الاقتصاد. فقد أظهرت العديد من الدراسات أن جزءاً كبيراً من التضخم خلال أزمة 2022–2023 لم يكن نتيجة ارتفاع التكاليف فقط، بل أيضاً نتيجة تحقيق بعض الشركات أرباحاً استثنائية بسبب موقعها الاحتكاري في السوق. وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يجب أن تتحمل الأسر تكلفة الأزمات، أم أن هناك دوراً للدولة في إعادة توزيع الأعباء بشكل أكثر عدالة؟

بعض الدول حاولت معالجة المشكلة من خلال دعم الأسعار بشكل مباشر، كما حدث في بريطانيا، حيث تم وضع سقف لأسعار الطاقة للأسر. لكن هذا النهج، رغم أهميته على المدى القصير، لا يعالج جذور المشكلة، بل قد يؤدي إلى دعم غير مباشر لشركات الطاقة نفسها. في المقابل، تبنت دول مثل إسبانيا والبرتغال سياسات أكثر ذكاءً، حيث قامت بتحديد تكلفة الغاز المستخدم في إنتاج الكهرباء، ما أدى إلى خفض الأسعار من المصدر وتقليل الأرباح الاحتكارية.

الدروس المستفادة من هذه التجارب واضحة: إدارة الأزمات يجب أن لا تقتصر على تخفيف آثارها، بل يجب أن تُستخدم كفرصة لإعادة هيكلة الاقتصاد. وهنا يظهر دور ما يسمى ”الاستراتيجيات الصناعية الخضراء الموجهة”، التي تقوم على تحديد أهداف وطنية واضحة، مثل التحول إلى الطاقة النظيفة أو تعزيز الإنتاج المحلي، وتوجيه الاستثمارات العامة والخاصة لتحقيق هذه الأهداف.

الاستثمار في الطاقة المتجددة ليس خياراً بيئياً فقط، بل هو أيضاً خيار اقتصادي بامتياز. فهو يقلل الاعتماد على الخارج، ويخلق وظائف جديدة، ويرفع الإنتاجية على المدى الطويل. وتشير التقديرات إلى أن كل وحدة استثمار في التحول الأخضر يمكن أن تولد عدة أضعافها من القيمة الاقتصادية، سواء من خلال النمو المباشر أو من خلال الآثار غير المباشرة مثل تحسين الصحة العامة وتقليل تكاليف الطاقة.

تحقيق هذا التحول يتطلب تنسيقاً مؤسسياً عالياً. فسياسات الطاقة لا يمكن فصلها عن سياسات الإسكان والنقل والتكنولوجيا والتعليم. كما أن الاعتماد المفرط على أدوات السياسة النقدية، مثل رفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم، قد يكون غير فعال في مواجهة صدمات ناتجة عن نقص في العرض، بل قد يؤدي إلى تقليص الاستثمار في القطاعات الحيوية.

في هذا السياق، يصبح دور الدولة محورياً. ليس فقط كمنظم للسوق، بل كمحفز للاستثمار، وموجه للاقتصاد نحو أهداف طويلة الأجل. وهذا يتطلب بناء مؤسسات قادرة على التخطيط والتنفيذ، وتبني نهج استباقي بدلاً من رد الفعل.

بالنسبة لدول مثل الأردن، التي تعاني من محدودية الموارد وارتفاع الاعتماد على الاستيراد، فإن صدمات الطاقة تمثل تحدياً مضاعفاً، لكنها أيضاً فرصة لإعادة التفكير في النموذج الاقتصادي. فبدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمات، يمكن استخدام هذه اللحظة لدفع استثمارات في الطاقة المتجددة، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة.

الخلاصة أن صدمات الطاقة ليست مجرد أزمات عابرة، بل إشارات تحذيرية تدعو إلى تغيير جذري في طريقة إدارة الاقتصاد. والدول التي تنجح في تحويل هذه الصدمات إلى فرص، ستكون الأكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والنمو في عالم يتسم بالتقلب وعدم اليقين.

نشر المقال في جريدة الرأي الأردنية / 28/04/2026

https://alrai.com/article/10954658/كتاب/صدمة-الطاقة-فرصة-لإعادة-بناء-الاقتصاد-لا-لإدارته-فقط



القمار الإلكتروني والنزيف الاقتصادي الصامت (03 آيار 2026)

 في ظل التحول الرقمي المتسارع، لم يعد القمار نشاطًا محصورًا في أماكن مغلقة أو سياقات محددة، بل أصبح متاحًا بضغطة زر على الهاتف المحمول. ورغم أن القمار بجميع أشكاله محظور قانونيًا في الأردن، إلا أن الواقع يشير إلى انتشار متزايد لما يمكن تسميته بـ"القمار الإلكتروني غير المرئي"، خاصة بين فئة الشباب. هذه الظاهرة لم تعد مجرد مسألة قانونية أو أخلاقية، بل تحولت إلى قضية اقتصادية واجتماعية تستحق نقاشًا جادًا.

المشكلة تبدأ من نقطة بسيطة لكنها عميقة: سهولة الوصول إلى مواقع القمار. فالشاب الأردني اليوم لا يحتاج إلى شبكة علاقات أو بيئة خاصة للدخول في عالم القمار، بل يكفيه هاتف ذكي، واتصال بالإنترنت، وربما محفظة إلكترونية أو عملة رقمية. هذا التحول جعل من القمار نشاطًا فرديًا معزولًا، لكنه في الوقت نفسه واسع الانتشار وصعب الرصد (وليس مستحيلًا).

لكن لماذا الشباب تحديدًا؟ الإجابة تكمن في تداخل عدة عوامل. أولها البطالة المرتفعة، التي تدفع البعض إلى البحث عن "فرص بديلة" لتحقيق دخل سريع، حتى وإن كانت محفوفة بالمخاطر. ثانيها الثقافة الرقمية الجديدة، حيث تتداخل الألعاب الإلكترونية مع عناصر من المقامرة مثل الرهانات و"الصناديق العشوائية" (عنصر شائع في الألعاب الإلكترونية، حيث يدفع اللاعب مالًا حقيقيًا أو عملة داخل اللعبة للحصول على "صندوق" يحتوي على مكافآت غير معروفة مسبقًا وتعتمد على الحظ، مما يخلق مسارًا تدريجيًا من الترفيه إلى المقامرة). وثالثها التأثير غير المباشر للإعلانات الرقمية، التي تروج لأنماط حياة قائمة على الربح السريع والمخاطرة.

لا يمكن التقليل من خطورة هذه الظاهرة. اقتصاديًا، تقدّر منظمة الصحة العالمية أن نحو 1.2% من البالغين في العالم يعانون من اضطراب القمار، وأن إيرادات صناعة القمار العالمية قد تصل إلى 700 مليار دولار بحلول 2028، مدفوعة أساسًا بالهواتف الذكية والمنصات الرقمية. كما أن 46.2% من البالغين و17.9% من المراهقين حول العالم مارسوا شكلًا من أشكال القمار خلال سنة واحدة.

في الأردن، لا توجد أرقام رسمية منشورة عن حجم القمار الإلكتروني، لكن لدينا قاعدة تقديرية مهمة: فالشباب بين 15 و24 عامًا يشكلون نحو 20% من السكان، أي حوالي 2.3 مليون شاب وشابة من أصل 11.7 مليون نسمة في 2025. كما أن بطالة الشباب مرتفعة نسبياً .

لنفترض وبحسبة توضيحية بسيطة أن 1% فقط من الشباب في الأردن ينخرطون في القمار الإلكتروني بصورة منتظمة. هذا يعني حوالي 23 ألف شاب. إذا خسر كل واحد منهم في المتوسط 50 دينارًا شهريًا، فإن الخسارة السنوية تصل إلى نحو 13.8 مليون دينار. وإذا ارتفعت النسبة إلى 3%، تصبح الخسارة نحو 41 مليون دينار سنويًا، أما عند 5% فتقترب من 69 مليون دينار.

قد لا تبدو هذه الأرقام ضخمة مقارنة بحجم الناتج المحلي الأردني، الذي بلغ نحو 43.7 مليار دينار في 2025، لكنها تصبح خطيرة لأنها تتركز في فئة عمرية هشة ماليًا، ولأن جزءًا كبيرًا من الأموال يخرج إلى منصات أجنبية بدل أن يدور داخل الاقتصاد المحلي.

وإذا افترضنا أن هذه الأموال كانت ستُنفق محليًا في التعليم، النقل، المطاعم، الملابس، التدريب، أو المشاريع الصغيرة، فإن أثرها الاقتصادي لا يساوي فقط المبلغ الأصلي، بل يشمل ما يسمى "الأثر المضاعف". فخسارة 40–70 مليون دينار سنويًا من إنفاق الشباب قد تعني فقدان نشاط اقتصادي أوسع (200-350 مليون دينار حسب آخر دراسات المضاعف الكلي)، وربما ما يعادل مئات أو آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، خصوصًا في قطاعات الخدمات الصغيرة التي تعتمد على إنفاق الأسر والشباب.

القمار الإلكتروني لا يخلق قيمة مضافة حقيقية داخل الاقتصاد، بل يعمل كقناة لتسريب الدخل إلى الخارج. فمعظم المنصات التي يستخدمها اللاعبون الأردنيون تقع خارج البلاد، رغم أن الدفع أحيانًا يكون لأرقام وحسابات محلية، ما يعني أن الأموال المحولة إليها تمثل استنزافًا مباشرًا للعملة الأجنبية. وفي اقتصاد يعاني أصلًا من عجز في الحساب الجاري وضغوط على الاحتياطيات، فإن هذا النوع من التسرب لا يمكن تجاهله.

والأخطر أن القمار الإلكتروني لا يضرب الدخل فقط، بل يضرب السلوك الاقتصادي للشباب: يقلل الادخار، يزيد الاقتراض، يؤخر الزواج مما يزيد من الاضطرابات الاجتماعية، أو يؤجل التعليم أو تأسيس مشروع صغير، ويحوّل الهاتف من أداة إنتاج ومعرفة إلى بوابة استنزاف مالي. فالتحول في أنماط الإنفاق يؤثر سلبًا على النمو على المدى المتوسط. كما أن الخسائر المتكررة تدفع بعض الأفراد إلى الاقتراض أو بيع أصول، ما يزيد من هشاشة الوضع المالي للأسر. لذلك، حتى لو كانت الكلفة الظاهرة محدودة كنسبة من الناتج المحلي، فإن كلفتها الاجتماعية والتنموية كبيرة لأنها تقع على رأس المال البشري الأردني نفسه.

أما على مستوى سوق العمل، فالتأثير أكثر تعقيدًا. القمار لا يخلق وظائف، بل قد يساهم بشكل غير مباشر في زيادة البطالة، من خلال تقليل الاستثمار والإنتاجية. الشاب الذي ينخرط في سلوكيات إدمانية كالقمار (وهو إدمان يضاهي في خطورته إدمان المخدرات) يفقد تدريجيًا قدرته على التركيز والعمل، ما ينعكس على أدائه المهني وفرصه المستقبلية. وهنا تتحول المشكلة من قضية فردية إلى عبء جماعي على الاقتصاد.

اجتماعيًا، تتداخل الأبعاد النفسية والاقتصادية. فالإدمان على القمار يرتبط بارتفاع معدلات القلق والاكتئاب، وقد يؤدي إلى تفكك أسري أو انخراط في سلوكيات غير قانونية لتغطية الخسائر. هذه التكاليف غير المباشرة لا تظهر في الحسابات القومية، لكنها حقيقية ومؤثرة.

أمام هذه الصورة، يطرح سؤال جوهري: هل يكفي الحظر القانوني؟ التجربة تشير إلى أن الحظر وحده، في عصر الاقتصاد الرقمي، لم يعد كافيًا. فالتكنولوجيا تتجاوز الحدود، والرقابة التقليدية لا تستطيع ملاحقة تطبيقات ومنصات تتغير باستمرار. وهذا لا يعني بالضرورة الدعوة إلى تنظيم القمار، خاصة في مجتمع محافظ، بل يستدعي التفكير في مقاربة أكثر شمولًا وذكاءً.

الحل لا يكمن في خيار واحد، بل في مزيج من السياسات. أولًا، هناك حاجة لتعزيز الرقابة الرقمية، من خلال تتبع أنماط الدفع الإلكتروني المرتبطة بالقمار، والتعاون مع شركات التكنولوجيا لحجب التطبيقات والمواقع المشبوهة. ثانيًا، يجب العمل على مراقبة وتنظيم الألعاب الإلكترونية التي تحتوي على عناصر مقامرة، خاصة تلك الموجهة للشباب. ثالثًا، وربما الأهم، هو معالجة الجذور الاقتصادية. فالشباب الذين يمتلكون فرص عمل حقيقية، أو مسارات واضحة للتقدم المهني، هم أقل عرضة للانخراط في سلوكيات عالية المخاطر. هنا يأتي دور السياسات التشغيلية، ودعم ريادة الأعمال، وتوسيع برامج التدريب المهني.

كما أن التوعية تلعب دورًا محوريًا، لكن بشرط أن تكون واقعية ومبنية على فهم اقتصادي، لا مجرد خطاب وعظي. يجب أن يدرك الشباب أن القمار ليس وسيلة لتحقيق الثراء، بل آلية لإعادة توزيع الخسائر وزيادة الفقر، غالبًا على حسابهم.

في النهاية، يمكن القول إن القمار الإلكتروني في الأردن يمثل "نزيفًا صامتًا" لا يُرى بسهولة، لكنه يؤثر بعمق على الاقتصاد والمجتمع. تجاهل هذه الظاهرة قد يكون مكلفًا، ليس بالأرقام فقط بل بالمجتمع ومستقبل الأجيال أيضًا.


نشر المقال في جريدة الرأي الاردنية / 03/05/2026

https://alrai.com/article/10955482/كتاب/القمار-الإلكتروني-والنزيف-الاقتصادي-الصامت



The dollar, yen, euro, gold and oil (January 7, 2026)

In times of crisis, the market initially reacts to fear and incomplete information, then corrects itself as the truth becomes clear. In light of the recent Venezuelan crisis and the detention and transfer of President Nicolás Maduro to the United States, markets typically tend to buy safer assets (such as the dollar, yen, euro, and gold) temporarily, then return to pricing based on fundamentals like interest rates, growth, and inflation.

Regarding the dollar, in the short run (days or weeks), it often benefits from geopolitical anxiety because it is a haven and a source of global liquidity, especially if fears increase about escalating regional tensions, the imposition of new sanctions, or the United States taking control of Venezuela. This effect may be limited if investors perceive the crisis as contained or limited and not altering the trajectory of US interest rates. In the long run (months or years), the dollar's upward or downward movement will be largely determined by two factors: the path of US interest rates and the strength of the US economy. If the crisis leads to a global slowdown and increases expectations of interest rate cuts, the dollar may subsequently weaken despite its safe-haven status. (Summary: A rapid rise in the dollar's exchange rate followed by a subsequent consolidation.)

As for the Japanese yen, in the short run, and given its status as a haven during periods of stress, the yen may strengthen against many currencies if investors become more willing to reduce risk. In the long run, however, the yen's strength or weakness depends heavily on the interest rate differential between Japan and other countries. If Japanese interest rates remain significantly lower, this could limit the yen's appreciation, even if it is considered a haven. (Summary: The yen may rise during shocks, but its sustained rise is not guaranteed without a change in interest rate policy.)

The euro is not considered a strong haven like the dollar or the yen (it is not backed by a single country; the euro represents multiple economies with different monetary policies, there is no single European finance ministry, and risks vary within the eurozone), but it is not an emerging market currency either. If the dollar rises in the short run due to anxiety, the euro will temporarily weaken against the dollar. In the long run, the euro's exchange rate will depend on European growth rates, European interest rate decisions, and the impact of energy and trade on their economies. However, if tensions escalate and the cost of risk rises globally, the euro could be negatively impacted, as investors tend to favor the dollar during periods of instability.

Gold typically benefits in the short run from fear and expectations of interest rate cuts, and it has already risen in market hedging as geopolitical risks related to Venezuela have intensified. In the long run, however, continued gold gains require prolonged periods of high tension, a slowdown in the global economy that would drive interest rates down, or a significant increase in demand from central banks and investors for hedging. If the crisis subsides quickly, gold may return to its normal fluctuation pattern instead of a sustained upward trend.

As for oil, markets are unlikely to treat the event as a major oil shock, as Venezuela currently represents a limited share of global supply (less than 1 million barrels per day), despite possessing the world's largest proven oil reserves (303 billion barrels). Factors contributing to this are a lack of investment and technology, deteriorating infrastructure, and international sanctions. Even in the best-case scenario, increasing production will take time. Therefore, the impact of the event on currencies via the oil channel is likely to remain limited. As for the impact on Jordan, which is significant due to the dinar's peg to the dollar, a stronger dollar globally will automatically strengthen the dinar against the euro and the yen (making imports from Europe and Japan relatively cheaper). However, the competitiveness of exports and tourism from Europe and Japan may be affected because the dinar will become more expensive for them.

The stability of the Jordanian dinar, which has been tied to the US dollar since 1995, depends on maintaining confidence and the size of the central bank's reserves (currently at a record high of $25 billion) as a safety net. The central bank also holds more than 72 tons of gold.

In conclusion, in the short run, the dollar, yen, and gold will benefit from the uncertainty, while the euro may weaken against the dollar. In the long run, if the crisis does not escalate, interest rates and growth will drive the direction of these variables more than political news.

The writer is a former Minister of State for Economic Affairs in Jordan.


Published in Jordan Times/ 07/01/2026

https://jordantimes.com/opinion/yusuf-mansur/the-dollar-yen-euro-gold-and-oil