Tuesday, October 6, 2026

من تسعير السلعة إلى تسعير المستهلك

د. يوسف منصور

لم تعد المنافسة في تجارة التجزئة تدور فقط حول من يملك المتجر الأفضل، أو الموقع الأفضل، أو السعر الأقل. هناك منافسة جديدة تتشكل بين نموذجين مختلفين تماماً: متجر يشتري البضاعة أولاً ثم ينتظر المستهلك، ومنصة رقمية تبدأ بالمستهلك، تعرف ما يبحث عنه، وتعرض عليه ما يرجح أنه يريد، ثم تستطيع أن ترسل إليه السلعة من مكان يبعد آلاف الكيلومترات. الذكاء الاصطناعي يجعل الفارق بين النموذجين أكبر.

للتجارة الإلكترونية فوائد اقتصادية واضحة. فقد وسعت خيارات المستهلك، وخفضت كلفة البحث والمقارنة، وسمحت للشركات بالوصول إلى أسواق لم تكن تستطيع الوصول إليها سابقاً. ومع الذكاء الاصطناعي أصبحت المنصات أكثر قدرة على تحليل الطلب، والتنبؤ بالأذواق، واقتراح المنتجات، وتوجيه الإعلان إلى الأشخاص الأكثر احتمالاً للشراء، بدلاً من إنفاق الأموال على حملات إعلانية عامة لا يعرف البائع من سيستجيب لها.

لكن خلف هذه الكفاءة توجد معادلة اقتصادية مختلفة تماماً عن تلك التي يواجهها المتجر التقليدي. فصاحب المتجر يختار البضاعة قبل الموسم، ويشتريها ويمولها ويشحنها ويخلصها جمركياً، ثم يتحمل الضرائب والرسوم والإيجار ورواتب العاملين والكهرباء والتجهيزات. وبعد كل ذلك ينتظر أن يدخل المستهلك من الباب.

وإذا أخطأ التاجر في تقدير اللون أو المقاس أو الموضة أو حجم الطلب، تبقى البضاعة على الرف. ورأس المال الذي كان يفترض أن يدور ويتحول إلى مبيعات يصبح مخزوناً راكداً. ثم تبدأ التنزيلات، وقد يضطر التاجر في نهاية الموسم إلى البيع بهامش ضئيل، وربما بخسارة، لكي يستعيد جزءاً من السيولة.

أما المنصة الإلكترونية العالمية فتستطيع أن تعمل بمعادلة مختلفة. يمكنها عرض آلاف المنتجات، واختبار الطلب عليها رقمياً، ومعرفة المنتجات التي تجذب الاهتمام قبل وصولها إلى المستهلك، ثم توجيه السلعة المطلوبة إليه مباشرة. وبفضل الحجم الهائل لعملياتها تستطيع توزيع كلفة التكنولوجيا والتخزين والتسويق والشحن على ملايين المعاملات وعشرات الأسواق.

وفي الأردن تضاف إلى ذلك مسألة الضرائب والجمارك. فالملابس المستوردة تجارياً تمر عبر نظام جمركي وضريبي تختلف فيه التعرفة بحسب نوع السلعة وتصنيفها ومنشئها والاتفاقيات التجارية المطبقة. كما يتحمل التاجر المحلي بقية كلف ممارسة النشاط داخل الاقتصاد الأردني.

لكن الفرق الحقيقي بين النموذجين قد لا يكون في الضرائب، ولا في الإيجار، ولا حتى في المخزون، بل في المعلومات. فالمتجر التقليدي يعرف الكثير عن السلعة والقليل نسبياً عن الشخص الذي سيدخل لشرائها. أما المنصة الرقمية فقد تعرف ما بحث عنه المستهلك بالأمس، وما اشتراه الشهر الماضي، والمنتجات التي شاهدها ولم يشترها، والمدة التي قضاها في مشاهدة سلعة معينة، والأسعار التي اعتاد دفعها، وموقعه، وعشرات وربما مئات الإشارات الأخرى الناتجة عن سلوكه الرقمي.

هذه المعلومات كانت تستخدم أساساً للإعلان: إذا كنت مهتماً بالرياضة يظهر لك حذاء رياضي، وإذا بحثت عن رحلة تبدأ عروض الفنادق والطيران بالظهور أمامك. لكن الذكاء الاصطناعي يسمح بالانتقال إلى مرحلة أكثر تعقيداً. فبدلاً من استخدام البيانات فقط لمعرفة ماذا تريد، يمكن استخدامها لمحاولة معرفة كم أنت مستعد أن تدفع.

وهنا نقترب من مفهوم اقتصادي قديم هو التمييز السعري من الدرجة الأول، سأشرحه بمثال:  لنفترض أن ثلاثة أشخاص يريدون شراء السلعة نفسها. الأول مستعد لدفع 50 ديناراً، والثاني 40، والثالث 30. إذا كان السعر المعلن 30 ديناراً للجميع، يحصل الأول والثاني على منفعة لأنهما كانا مستعدين لدفع أكثر من السعر الفعلي. هذه المنفعة يسميها الاقتصاديون فائض المستهلك. فإذا كنت مستعداً لدفع 50 ديناراً مقابل قميص واشتريته بـ30، حصلت على فائض مستهلك مقداره 20 ديناراً.

لكن ماذا يحدث إذا استطاعت الخوارزمية أن تعرف، أو على الأقل أن تتنبأ بدرجة عالية من الدقة، بأنك مستعد لدفع 50؟ من وجهة نظر البائع يصبح السعر المثالي لك أقرب إلى 50، بينما قد يكون 40 لمستهلك آخر و30 لثالث. وكلما اقترب البائع من معرفة الحد الأقصى لاستعداد كل شخص للدفع، اقترب نظرياً من التمييز السعري من الدرجة الأولى، وانتقل جزء أكبر من فائض المستهلك إلى البائع. أي أن ما كان افتراضاً نظرياً يصعب تطبيقه في كتب الاقتصاد أصبح الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة قادرين على تقريب الأسواق منه.

هذا التسعير الشخصي ليس ضاراً بالضرورة في جميع الحالات. فقد تستخدم الشركة المعلومات لتقديم سعر أقل إلى مستهلك شديد الحساسية للسعر، فيشتري سلعة لم يكن سيشتريها بالسعر الموحد. ويمكن للتمييز السعري، في ظروف معينة، أن يوسع السوق ويزيد المبيعات. لكن المشكلة تبدأ عندما لا يعرف المستهلك أن السعر الذي يراه قد لا يكون السعر نفسه الذي يراه الآخر، وعندما تستخدم معلومات شخصية وسلوكية لا يعرف حجمها أو كيفية جمعها لتقدير أقصى مبلغ يمكن اخذه منه.

ماذا لو انتقلت الفكرة نفسها إلى البنوك والقروض؟ هنا تصبح القضية أكثر أهمية. فالبنوك تستخدم أصلاً نظام تسعير يرتكز على المخاطر. فالعميل الذي ترتفع احتمالات تعثره قد يدفع سعر فائدة أعلى من عميل يتمتع بتاريخ ائتماني قوي ودخل مستقر. فاختلاف السعر هنا يعكس اختلاف تكلفة المخاطر. لكن الذكاء الاصطناعي يمكن، من حيث المبدأ، أن يسمح للبنك بالإجابة عن سؤال مختلف تماماً، وهو:  ما أعلى سعر فائدة سيكون هذا العميل مستعداً لقبوله؟

لنفترض أن مخاطر العميل وكلفة الأموال وهامش الربح الطبيعي تبرر قرضاً بفائدة 7%. لكن البنك يستطيع من خلال البيانات أن يعرف أن راتب العميل يدخل إلى البنك نفسه، وأن لديه التزامات مالية عاجلة، وأن رصيده يتراجع بسرعة، وأن نمط معاملاته يدل على حاجته إلى السيولة، وأنه لا يقارن كثيراً بين عروض البنوك، وأنه سبق أن قبل عروضاً ائتمانية بسرعة. إذا استطاعت الخوارزمية أن تستنتج أنه سيقبل قرضاً بفائدة 9.5%، فهل سيعرض عليه البنك 7% أم 9.5%؟

إذا كانت الزيادة تعكس ارتفاع احتمال عدم السداد، فهي تسعير للمخاطر. أما إذا كان العميل لا يختلف في مخاطره عن غيره، لكنه يدفع أكثر فقط لأن الخوارزمية اكتشفت أنه أكثر استعداداً أو اضطراراً للدفع، فنحن أمام شيء مختلف تماماً، وهو  تسعير للاستعداد للدفع. وهنا يقترب التسعير المصرفي نفسه من فكرة التمييز السعري من الدرجة الأولى.

تمتلك البنوك والمؤسسات المالية بيانات أكثر حساسية من تلك المتاحة لمتجر إلكتروني. فقد تعرف تدفقات الراتب، والأرصدة، والإنفاق الشهري، واستخدام البطاقة، وانتظام دفع الفواتير، والقروض القائمة، والتحويلات، والسحب النقدي. ومع توسع استخدام البيانات البديلة يمكن أن تدخل إشارات أخرى في نماذج التقييم.

فكلما عرف البنك العميل بصورة أفضل، أصبح أكثر قدرة على تقدير مخاطره؛ لكنه قد يصبح أيضاً أكثر قدرة على تقدير ضعفه التفاوضي. وإذا استخدمت هذه المعرفة ليس لتقدير احتمال السداد وإنما لتقدير أقصى فائدة يقبلها العميل، تتحول البيانات من أداة لقياس المخاطر إلى أداة لاستخراج فائض المستهلك، أو ما يمكن تسميته باللغة الدارجة، استغلال المستهلك.

ومن هنا يظهر دور السياسة الاقتصادية وقوانين المنافسة وحماية البيانات والمستهلك. المطلوب ليس مقاومة الذكاء الاصطناعي، وإنما تحديد الحدود بين التخصيص الذي يزيد الكفاءة والتخصيص الذي يستخرج فائض المستهلك اعتماداً على معلومات لا يملك المستهلك قوة مماثلة لمواجهتها. وهنا أيضاً يبدأ التحدي الاقتصادي الكبير القادم.


نشر المقال في جريدة الرأي الاردنية / 05 تشرين الاول 2026

https://alrai.com/article/10979661/كتاب/من-تسعير-السلعة-إلى-تسعير-المستهلك


 

الأردن عند عتبة نمو جديدة

د. يوسف منصور

أظهرت تقديرات دائرة الإحصاءات العامة، الصادرة في 30 أيلول 2026، أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نما بنسبة 3% خلال الربع الثاني من العام الحالي، وهو ما توقعته سابقاً، مقارنة بنحو 2.8% في الربع نفسه من عام 2025، وبعد نمو بلغ 2.9% في الربع الأول من هذا العام. وبذلك أصبح الاقتصاد الأردني يتحرك عند عتبة 3%، بعد مسار من التحسن التدريجي خلال السنوات الأخيرة.

أهمية الرقم لا تكمن في بلوغ 3% بحد ذاته، وإنما في الاتجاه الذي يقف وراءه. لكن ما الذي يدفع النمو اليوم؟ الإجابة الأكثر تشجيعاً هي أن جزءاً مهماً من التحسن يأتي من الاقتصاد المنتج. فالبيانات الأخيرة تشير إلى أداء قوي في الصناعة التحويلية وعدد من الأنشطة الإنتاجية والخدمية المرتبطة بها. وهذا مهم، لأن النمو الذي تقوده الصناعة والاستثمار والتصدير يختلف في طبيعته وأثره عن نمو يعتمد أساساً على الاستهلاك أو على نشاطات قصيرة الأجل.

وأهمية الصناعة أنها لا تنمو وحدها. فنموها يحرك النقل والتجارة والخدمات، ويرفع فرص التصدير والتشغيل. وكلما زادت مساهمة القطاعات الأعلى إنتاجية وقيمة مضافة، أصبح الاقتصاد أكثر قدرة على المحافظة على النمو، بدلاً من تسجيل ارتفاعات مؤقتة سرعان ما تتراجع.

لن ننتقل سريعاً من 3% إلى 4% أو 5% أو 8%، لأن الانتقال إلى معدلات نمو أعلى بصورة مستدامة يحتاج إلى إعادة هيكلة تدريجية للاقتصاد الأردني، وليس إلى قرار اقتصادي واحد أو حزمة تحفيز قصيرة الأجل. فالاقتصاد لا يستطيع مضاعفة سرعته بين ليلة وضحاها في الظروف العادية، لأن رفع النمو المستدام يتطلب توسيع القطاعات ذات الإنتاجية والقيمة المضافة المرتفعة، وزيادة الاستثمار، وتعميق القاعدة الصناعية والتصديرية، ورفع استخدام التكنولوجيا، وتحسين البنية التحتية للمياه والطاقة والنقل، وربط رأس المال البشري بصورة أكبر باحتياجات الاقتصاد الجديد. وهذه كلها تحولات هيكلية تحتاج إلى وقت واستثمار وتراكم في رأس المال والإنتاجية.

ومن هذه الزاوية تصبح المشاريع المقبلة مهمة في قراءة مستقبل النمو. فالبرنامج التنفيذي الثاني لرؤية التحديث الاقتصادي للأعوام 2026–2029 يتضمن 182 مبادرة موزعة على 25 قطاعاً، تنفذ من خلال 392 مشروعاً. كما يتضمن مشاريع استثمارية كبرى ومشاريع شراكة بين القطاعين العام والخاص، فيما تشير الحكومة إلى استثمارات بالشراكة مع القطاع الخاص تقارب 10 مليارات دينار خلال مدة تنفيذ البرنامج، مع بدء طرح وتنفيذ جزء منها في قطاعات الطاقة والمياه والنقل والبنية التحتية.

التركيز على المشاريع مهم للغاية؛ لأن السياسات والتشريعات تستطيع تحسين البيئة الاقتصادية، لكن المشاريع هي التي تحول التوجهات إلى استثمار حقيقي وطاقة إنتاجية جديدة. كما أن المشروع الكبير لا يعطي أثره دفعة واحدة. يبدأ الأثر أثناء التنفيذ من خلال الإنفاق والتشغيل والطلب على الإنشاءات والنقل والخدمات، ثم يصبح أعمق بعد التشغيل عندما يضيف طاقة إنتاجية جديدة ويخفض بعض تكاليف الاقتصاد ويفتح المجال أمام استثمارات أخرى.

لذلك، فإن جزءاً مهماً من أثر المشاريع التي يجري التحضير لها أو تنفيذها لم يظهر بعد بصورة كاملة في أرقام الناتج المحلي الإجمالي. وهذا ما يجعل قراءة النمو الحالي أكثر إيجابية: الاقتصاد وصل إلى عتبة 3% في وقت لا تزال فيه دورة جديدة من الاستثمار والمشاريع في مراحلها الأولى.

هناك عامل ثالث لا يجب أبداً أن يستهان به، وهو الثقة والتوقعات. فالمستثمر الذي يقرر إنشاء مصنع، والشركة التي تقرر التوسع، والأسرة التي تقرر شراء منزل أو سلعة معمرة، جميعهم يتخذون قراراتهم اليوم بناءً على ما يتوقعونه غداً. ولهذا أعطى علم الاقتصاد أهمية كبيرة للثقة والتوقعات في تفسير الاستثمار والاستهلاك والنشاط الاقتصادي.

وفي هذا السياق، يقدم استطلاع مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، الصادر في نيسان 2026 بعد مرور عام ونصف على تشكيل الحكومة، مؤشراً مهماً على المزاج العام. فقد أظهر أن 54% من أفراد العينة الوطنية يرون أن الأمور في الأردن تسير في الاتجاه الإيجابي. كما رأى 62% أن الحكومة كانت قادرة على تحمل مسؤوليات المرحلة، و64% أن رئيس الوزراء كان قادراً على تحمل مسؤولياتها.

ولا تعني هذه النتائج أن التحديات الاقتصادية قد اختفت، لكنها تعني أن أغلبية من المستطلعين ما زالت تنظر بإيجابية إلى الاتجاه العام للبلاد، بالتزامن مع تحسن معدل النمو وبدء دورة جديدة من المشاريع والاستثمارات.

وهذه الثقة تأتي اليوم بالتزامن مع أمرين مهمين: نمو تحقق بالفعل، ومشاريع واستثمارات لم يظهر أثرها الكامل بعد. والثقة لا تصنع النمو بمفردها، لكنها مهمة عندما تقترن بالاستثمار والتنفيذ وتحسن المؤشرات الفعلية، لأنها تؤثر في استعداد الشركات والمستثمرين لاتخاذ قرارات التوسع والاستثمار.

وليس صحيحاً أن نقول إن ارتفاع الثقة هو الذي تسبب وحده في ارتفاع النمو؛ فالعلاقة الاقتصادية أكثر تعقيداً من ذلك. لكن تحسن التوقعات مهم، لأنه يشجع المستثمر على اتخاذ القرار بدلاً من الانتظار، ويعطي الشركات ثقة أكبر بالتوسع. وإذا ترافق ذلك مع تنفيذ المشاريع وارتفاع الإنتاجية، فإنه يضيف قوة جديدة إلى مسار النمو.

كما لا ينبغي أن يكون هدفنا مجرد رفع رقم النمو من 3% إلى 4% أو 5%. الأهم أن يأتي النمو نتيجة تحسن الإنتاجية، وأن يعتمد بصورة أكبر على الاستثمار والتصدير والتكنولوجيا، وأن يصبح أكثر قدرة على خلق فرص العمل ورفع دخل المواطن. فالغاية من النمو ليست تحسين جداول الحسابات القومية، وإنما تحسين حياة الناس.

الصورة اليوم تدعو إلى التفاؤل. فهناك اقتصاد ينمو بوتيرة أفضل، وقطاعات إنتاجية تتحرك، ومحفظة كبيرة من المشاريع والاستثمارات تدخل تدريجياً مرحلة التنفيذ، وحكومة جعلت المشاريع والنمو والتنفيذ محوراً أساسياً لبرنامجها الاقتصادي، إلى جانب مستوى ملحوظ من الثقة والتوقعات الإيجابية.

الثلاثة في المئة ليست سقفاً للاقتصاد الأردني. ولعل أهميتها الحقيقية أنها تحققت في بداية دورة جديدة من المشاريع والاستثمار، لا في نهايتها. ومع دخول هذه المشاريع حيز التنفيذ، واستمرار تحسن القطاعات الإنتاجية، وتعزز الثقة والتوقعات الإيجابية، فإن الفرصة متاحة للانتقال تدريجياً إلى معدلات نمو أعلى وأكثر استدامة. أما الوصول إلى تلك المعدلات، فلن يكون قفزة تحدث بين ليلة وضحاها، بل نتيجة لإعادة هيكلة الاقتصاد ورفع إنتاجيته وتوسيع قاعدته الاستثمارية والإنتاجية.


نشر المقال في جريدة الرأي الاردنية/ 05 تشرين الاول 2026

https://alrai.com/article/10979533/كتاب/الأردن-عند-عتبة-نمو-جديدة


Sunday, October 4, 2026

التعداد السكاني ... حين تصبح المعلومة استثماراً

التعداد السكاني... حين تصبح المعلومة استثماراً

د. يوسف منصور

بدأ الأردن اليوم عملية التعداد العام للسكان والمساكن لعام 2026، وهي واحدة من أكبر العمليات الإحصائية التي تنفذها الدولة. وقد تبدو للوهلة الأولى عملية هدفها معرفة عدد السكان: كم أصبح عددنا؟ وأين نعيش؟ لكن القيمة الحقيقية للتعداد أكبر بكثير من مجرد الوصول إلى رقم جديد للسكان. فالتعداد، من منظور اقتصادي، هو استثمار في المعلومة التي ستُبنى عليها قرارات بمليارات الدنانير خلال السنوات المقبلة.

الفكرة ليست جديدة. فقد أدركت الدول والحضارات منذ آلاف السنين أن إدارة الاقتصاد تبدأ بمعرفة الناس والموارد. وتشير السجلات التاريخية إلى أن البابليين عرفوا شكلاً مبكراً من التعداد قبل  3800 قبل الميلاد حسب التقديرات. وتشير السجلات كذلك إلى تطور نظام أكثر انتظاماً لحصر الثروة في بلاد ما بين النهرين خلال الألفية الثالثة قبل الميلاد. ومن بابل انتقلت الفكرة بأشكال مختلفة إلى حضارات أخرى. حيث استخدمت مصر القديمة عمليات الحصر لمعرفة السكان والقوى العاملة والموارد، وطورت روما نظاماً أكثر انتظاماً مع التركيز على حقوق المواطنين. كما أتت كلمةcensus  من الكلمة اللاتينية censere، أي التقدير أو التقييم، المستخدمة اليوم.

لكن وظيفة التعداد تغيرت جذرياً مع تطور الدولة الحديثة ليصبح الهدف من المسوحات معرفة أين يعيش الناس، وأعمارهم، ومستويات تعليمهم، وخصائص أسرهم، وأوضاع مساكنهم، وأين توجد التجمعات السكانية التي ستحتاج إلى المدارس والمستشفيات والمياه والنقل وفرص العمل خلال السنوات المقبلة. لهذا توصي الأمم المتحدة بإجراء تعداد للسكان والمساكن ضمن دورة عشرية. فالتعداد من أعقد وأكبر العمليات التي تقوم بها الدول في أوقات السلم، والبيانات الناتجة عنه تستخدم في التخطيط التنموي والسياسات الاجتماعية وتحليل الأسواق وتوزيع الخدمات والاستجابة للأزمات.

أما في الأردن، فتعود البداية إلى عام 1952، عندما نُفذت أول عملية لحصر المباني والمساكن والسكان، وبلغ عدد السكان آنذاك نحو 586 ألف نسمة. وفي عام 1961 أُجري أول تعداد شامل للسكان والمساكن باستخدام منهجيات علمية متوافقة مع توصيات الأمم المتحدة، وجُمعت فيه معلومات ديموغرافية واجتماعية واقتصادية أكثر تفصيلاً. وتوالت بعد ذلك التعدادات في 1979 و1994 و2004 و2015. وقد شكلت نتائج هذه التعدادات الأساس الذي بنيت عليه تقديرات السكان والكثير من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية بين تعداد وآخر.

يدخل الأردن اليوم مرحلة جديدة مع تعداد 2026. فالتعداد يشمل نحو 2.5 مليون أسرة، وحوالي مليون مبنى، موزعة على نحو 24 ألف بلوك إحصائي. ويشارك في العملية الميدانية قرابة 12 ألف باحث وباحثة، بينهم نحو 10 آلاف معلم ومعلمة. كما تدخل التكنولوجيا بصورة أكبر من السابق، من خلال الأجهزة اللوحية والاستمارات الإلكترونية والخرائط الرقمية والربط مع السجلات الحكومية، إضافة إلى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في التدقيق والمتابعة.

تبلغ الكلفة المقدرة للتعداد نحو 24 مليون دينار، وهي كلفة قليلة جدا بالمقارنة مع ما يمكن أن نخسره إذا اتخذنا قرارات استثمارية بمليارات الدنانير اعتماداً على معلومات سكانية قديمة أو غير دقيقة. فالدولة ستبني خلال السنوات المقبلة مدارس ومستشفيات وطرقاً وشبكات مياه وصرف صحي ونقلاً عاماً ومشاريع إسكان وبنية تحتية. وستقرر أين توسع الجامعات والمدارس، وأين تحتاج إلى مراكز صحية جديدة، وأين تتزايد الحاجة إلى المياه والطاقة، وأين يجب أن توجه برامج التدريب والتشغيل. وكل قرار من هذه القرارات له كلفة، وبعضها يمتد أثره لعقود.

فإذا بُنيت مدرسة في منطقة يتراجع فيها عدد الأطفال، بينما تعاني منطقة أخرى من اكتظاظ متزايد، سيكون هناك كلفة اقتصادية وهدر لموارد شحيحة. وإذا أُنشئت بنية تحتية في مكان لا يمثل الأولوية السكانية الحقيقية، فهناك كلفة فرصة بديلة. وإذا لم تعرف الدولة أين سينضم عشرات الآلاف من الشباب إلى سوق العمل خلال السنوات المقبلة، تصبح سياسات التشغيل والتدريب أقل كفاءة. من هنا تصبح بيانات السكان نوعاً من البنية التحتية الاقتصادية، تماماً كما تحتاج الدولة إلى الطرق والكهرباء والاتصالات.

لا تقتصر المنفعة على الحكومة. المستثمر الذي يريد إنشاء مصنع يريد أن يعرف أين توجد العمالة. وشركة التجزئة تريد أن تعرف أين ينمو السكان والدخل والطلب. والمطور العقاري يحتاج إلى معرفة حجم الأسر وتركيبتها واتجاهات التوسع العمراني. والمستثمر في التعليم أو الصحة يحتاج إلى معرفة التركيب العمري للسكان وتوزيعهم الجغرافي. لذلك فإن قاعدة البيانات التي ينتجها التعداد هي أصل اقتصادي يستخدمه القطاع العام والقطاع الخاص والباحثون معاً.

كما أن للتعداد وظيفة اقتصادية أخرى، فهو يوفر الأساس الذي نحسب عليه كثيراً من المؤشرات التي نستخدمها للحكم على أداء الاقتصاد. فنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي يحتاج إلى تقدير دقيق لعدد السكان. وكذلك عدد الأطباء بالنسبة للسكان، وأعداد الطلبة، ومعدلات المشاركة في سوق العمل، ومؤشرات الفقر والخدمات والإسكان وغيرها. وإذا كان المقام الذي نبني عليه الحساب غير دقيق، فإن المؤشر نفسه قد يعطي صورة غير دقيقة.

وهنا تظهر أهمية إجراء التعداد بصورة دورية. فالأردن الذي كان عدد سكانه نحو 586 ألف نسمة عام 1952 تجاوز اليوم 12 مليون نسمة. ولم يتغير العدد فقط؛ تغير أيضاً توزيع السكان، والتركيب العمري، وحجم المدن، وأنماط السكن، والهجرة، والطلب على الخدمات. ولذلك لا تستطيع دولة تتغير بهذه السرعة أن تخطط للمستقبل بخريطة سكانية تعود إلى أكثر من عقد مضى. والمنطق الاقتصادي واضح: المعلومة الأفضل تقلل احتمال القرار الخاطئ، والقرار الخاطئ في مشروع بمئات الملايين قد تكون كلفته أكبر بكثير من كلفة جمع المعلومات التي كان يمكن أن تمنعه. وفي دولة ستتخذ خلال العقد المقبل قرارات استثمارية بمليارات الدنانير، قد تكون المعلومة الدقيقة واحدة من أكثر الاستثمارات عائداً وأقلها كلفة.

 

نشر المقال في جريدة الرأي الاردنية/ 03 تشرين الاول 2026

 https://alrai.com/article/10979290/كتاب/التعداد-السكاني-حين-تصبح-المعلومة-استثمارا


Jordan at the Threshold of a New Growth Era

By Dr. Yusuf Mansur*

The latest estimates released by Jordan’s Department of Statistics on September 30, 2026, show that real GDP grew by 3% in the second quarter of this year—a rate I had previously anticipated—compared with around 2.8% in the same quarter of 2025 and 2.9% in the first quarter of 2026. The Jordanian economy has thus reached the 3% threshold, following a gradual improvement in growth over recent years.

The significance of this figure lies not simply in reaching 3%, but in the direction of travel. What, then, is driving growth today? Most encouragingly, a significant part of the improvement is coming from the productive economy. Recent data point to strong performance in manufacturing and several related productive and service activities. This matters because growth driven by industry, investment, and exports is fundamentally different in both character and impact from growth that relies primarily on consumption or short-term activity.

Manufacturing does not grow in isolation. Its expansion stimulates transportation, trade, and services, while creating greater opportunities for exports and employment. The larger the contribution of high-productivity, high-value-added sectors, the greater the economy’s ability to sustain growth rather than merely experience temporary upswings.

We will not move quickly from 3% growth to 4%, 5%, or even 8%. Sustaining significantly higher growth requires a gradual restructuring of the Jordanian economy, not a single policy decision or a short-term stimulus package. Under normal circumstances, an economy cannot double its growth rate overnight. Higher sustainable growth requires expanding more productive and higher-value-added sectors, increasing investment, deepening the industrial and export base, accelerating the adoption of technology, improving water, energy, and transport infrastructure, and better aligning human capital with the needs of a changing economy. These are structural transformations, and they require time, investment, capital accumulation, and productivity gains.

This is precisely why the pipeline of upcoming projects is so important when assessing Jordan’s future growth prospects. The second Executive Programme of the Economic Modernisation Vision for 2026–2029 includes 182 initiatives across 25 sectors, to be implemented through 392 projects. It also includes major investment projects and public-private partnerships, while the government expects investment in partnership with the private sector to approach JD10 billion over the programme period. Some of these projects are already being tendered or implemented in energy, water, transport, and infrastructure.

The focus on projects matters greatly. Policies and legislation can improve the economic environment, but projects are what translate policy direction into actual investment and new productive capacity. Nor does a major project deliver its full economic impact all at once. Its effect begins during implementation through spending, employment, construction, transportation, and demand for services. The impact becomes deeper once the project is operational, adding new productive capacity, reducing some of the costs facing the economy, and creating opportunities for further investment.

A significant part of the economic impact of projects currently under preparation or implementation has therefore yet to appear fully in GDP figures. This makes the current growth performance even more encouraging: Jordan has reached the 3% threshold while a new cycle of investment and major projects is still in its early stages.

There is a third factor that should never be underestimated: confidence and expectations. An investor deciding whether to build a factory, a company considering expansion, or a household deciding whether to purchase a home or a durable good all make decisions today partly on the basis of what they expect tomorrow to bring. This is why economics has long attached considerable importance to confidence and expectations in explaining investment, consumption, and overall economic activity.

In this context, an April 2026 public opinion survey by the University of Jordan’s Center for Strategic Studies, conducted a year and a half after the formation of the government, provides a useful indication of public sentiment. It found that 54% of respondents in the national sample believed that things in Jordan were moving in a positive direction. In addition, 62% believed that the government had been capable of carrying out the responsibilities of the period, while 64% said the same of the prime minister.

These findings do not mean that Jordan’s economic challenges have disappeared. They do, however, indicate that a majority of those surveyed continue to view the country’s overall direction positively, at a time when economic growth is improving, and a new cycle of projects and investment is beginning.

This confidence coincides with two important developments: growth that has already materialised, and projects and investments whose full impact has yet to be felt. Confidence does not create growth on its own. But when accompanied by investment, implementation, and improving economic indicators, it matters because it influences the willingness of companies and investors to expand and commit capital.

It would therefore be wrong to argue that rising confidence alone has caused stronger growth; the economic relationship is far more complex. But better expectations do matter. They can encourage investors to act rather than wait and give businesses greater confidence to expand. When this is accompanied by project implementation and rising productivity, it adds further momentum to the growth process.

Nor should our objective simply be to move the headline growth rate from 3% to 4% or 5%. What matters more is that growth increasingly results from higher productivity, relies more heavily on investment, exports, and technology, and becomes better able to create jobs and raise citizens’ incomes. The purpose of economic growth is not to improve the numbers in the national accounts; it is to improve people’s lives.

The picture today gives grounds for optimism. The economy is growing at a stronger pace, productive sectors are gaining momentum, a substantial portfolio of projects and investments is gradually moving into implementation, and the government has placed projects, growth, and execution at the heart of its economic programme. This is taking place alongside a notable degree of confidence and positive expectations.

Three percent is not the ceiling for Jordan’s economy. Perhaps its real significance is that it has been achieved at the beginning of a new cycle of projects and investment, not at its end. As these projects move into implementation, productive sectors continue to strengthen, and confidence and expectations improve, Jordan has an opportunity to move gradually towards higher and more sustainable rates of growth. Reaching those rates will not happen overnight. It will be the result of restructuring the economy, raising productivity, and broadening its investment and productive base.

*The author is a former Jordanian Minister of State for Economic Affairs.


Published in Jordan Times 03 October, 2026

https://jordantimes.com/opinion/yusuf-mansur/jordan-at-threshold-of-new-growth-era-1307782