Thursday, December 31, 2020

قطاعات وعمالة، وكورونا 31 12 2020

 


عانى الكثيرون من الانكماش الاقتصادي في الأردن مع إغلاق البلد لشهور عديدة في العام 2020، وخاصة أن الجائحة أتت مع أطول فترة انكماش في ذاكرة الأردن الحديث.  حيث تبلغ الخسائر الناجمة عن فيروس الكورونا في الأردن، حسب توقعات البنك الدولي، حوالي 8.2٪ من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2020، وهو رقم رغم أهميته، فإنه يخفي حقيقة أن الضرر لم يوزع بالتساوي على كافة القطاعات وفئات المجتمع، مما يدعو للتفكير فعلا، إن لم يتم ذلك الى حد الآن، في سياسات خارج الصندوق. 

كان هناك إجراءات حكومية في الأردن ساعدت على تخفيف وطء شبه التوقف في النشاط الاقتصادي، حيث وسّعت الحكومة في الأردن برامج المساعدة الاجتماعية (تكافل)، بما في ذلك مدفوعات إضافية مؤقتة لـCOVID-19، وقدّمت مدفوعات نقدية مؤقتة إلى 190 ألف عامل غير رسمي لم يكونوا من المستفيدين الحاليين من الحماية الاجتماعية، وقدمت الدعم العيني في توزيع المواد الغذائية، وقدمت وزارة العمل إجازة مدفوعة الأجر لمدة أسبوعين للعاملين في القطاع العام، وسمحت للشركات الخاصة بتخفيض مساهماتها في الضمان الاجتماعي. وبهذا يقدر متوسط ​​الإنفاق في الأردن على الحماية الاجتماعية بنحو 24 دولارًا أمريكيًا للفرد. كما حالت  إجراءات البنك المركزي دون تبلور العديد من الخسائر في المقام الأول وظلت البنوك مرنة بشكل ملحوظ حتى أن الكثير منها حقق أرباحا خلال العام.

ولكن الواضح أن هذه الإجراءات لم تساعد كثيرا. بالنسبة للقطاعات فإن القطاع الأكثر تأثرا كان قطاع التعليم الذي تراجع بنسبة 50%، تلاه العقارات (49%)، والنقل والمبيت (43%)، بينما كان الاقل تأثرا قطاع العمل في القطاع العام والذي تراجع فقط بقيمة 10%، مما يعني أن أقل الناس تأثرا هم أولئك الموظفين في الحكومة.

وبينما ارتفع معدل البطالة في الربع الثاني من 2020 الى 23% مقارنة مع 19% في العام الذي سبقه، فلقد كان نصيب العمال المستضعفين أكثر بكثير من غيرهم. حيث وجدت مسوح منظمة العمل الدولية في الأردن أن ما يصل إلى 39 بالمائة من العمال المستضعفين (ليس لديهم عقود عمل) لم يعودوا يعملون بعد اندلاع الأزمة، وأن 31٪ من الأردنيين المستضعفين قد تم تسريحهم مؤقتًا، و17٪ تم تسريحهم بشكل دائم، و 41٪ في إجازة مدفوعة الأجر. وبالإضافة إلى ذلك، أشار 50٪ من عينة المسح الى زيادة ملحوظة في أسعار المواد الغذائية، ولم يحصل 29٪ على ما يكفي من الطعام في الأسبوع الماضي في الغالب لأنهم لا يستطيعون تحمل كلفته.

وحسب دراسة أخرى حديثة للبنك الدولي، وبناء على خط فقر وطني مطلق  يصل إلى حوالي 67 دينارًا للشخص الواحد شهريًا لعام 2019 ، نتج عن الكورونا والتعامل معها زيادة بنسبة 38 نقطة مئوية في معدلات الفقر بين الأردنيين، و 18 نقطة مئوية زيادة في معدلات الفقر بين اللاجئين السوريين، وسبب تأثر اللاجئين بشكل أقل كان لأنهم أقل اعتمادًا على دخل سوق العمل والتحويلات المالية وأكثر اعتمادا على دعم المنظمات غير الحكومية الدولية. كما تراجعت المدخرات واضطر الأردنيون مع ضعف الإقراض وخاصة لذوي الدخل المحدود للجوء إلى استراتيجية مواجهة سلبية واحدة مثل تقليل الوجبات أو تخفيض الإنفاق على الصحة والتعليم. أيضا، ازدادت فجوة الفقر (مدى البعد تحت خط الفقر) أضعافا مضاعفة.

لا بد لنا من اتباع حوار جديد يؤكد على مرونة واستدامة الاقتصاد في مواجهة الازمات الحالية والمستقبلية بدلا من الحوار الحالي القائم على الكفاءة والإنتاجية، وهو موضوع لمقال آخر.

تفاوت نسب إصابات ووفيات الكورونا في الأردن 31 1 2020

 


يُفاجأ المتصفح لقاعدة بيانات منظمة الصحة العالمية، التي تُحدّث بشكل متواصل وآني، من أرقام الإصابات بسبب الكورونا في الأردن وعدد الوفيات المعلنة. وأشدد هنا على كلمة معلنة، حيث أنني اعتقد وكما يعتقد الكثيرون أن هنالك بعض الحالات في الأردن التي لا تنسب للجائحة، ربما لتخوف الأسرة من الإجراءات التي تلي مثل هذا الإعلان، كما أن خوف بعض المرضى من الذهاب للمستشفيات والاختلاط المحتمل بمصابي الجائحة قد أدى الى وفاتهم.

فمن حيث عدد الإصابات بالنسبة لعدد السكان فقد حل الأردن في المرتبة الخامسة عربيا (2.84%)، بينما جاءت البحرين في المرتبة الأولى (5.4%)، تلاها قطر (4.97%)، ثم الكويت (3.51%)، والأراضي المحتلة (2.97%). أما بالنسبة للوفيات فلقد جاء ترتيب الأردن كثاني بلد عربي في نسبة الوفيات لكل مليون نسمة حسب منظمة الصحة العالمية حيث وصل عدد الوفيات الى 370 وفاة لكل مليون، بعد تونس ( 382) التي شهدت مخاض الربيع العربي، تلاهما العراق (318)، ثم عُمان (293)، والأراضي المحتلة (286).

أما بالنسبة للعالم، فلقد وصلت نسبة الإصابات الى السكان عالميا حوالي 1.02%، ووصلت نسبة الوفيات 226 وفاة لكل مليون نسمة. أي أن نسبة الإصابات لدينا كانت اعلى من النسبة العالمية بنحو 180%، وفاقت نسبة الوفيات لكل مليون شخص في الأردن النسبة في العالم بحوالي 64%.

الأرقام، خاصة تلك التي تقارن وضعنا مع وضع البلدان العربية الأخرى،  تُنبئنا بما يلي: إما أننا لا نفحص بشكل كاف ولذلك ربما يكون عدد الإصابات أكبر، أو أن إجراءات التعامل مع المرضى ليست بذات الكفاءة عربيا أو عالميا، وربما يكون كلاهما معا. وقد تكون أسباب الإصابات عدم اهتمام البعض بإجراءات التباعد وارتداء الكمامات، وأيضا فشل سياسات الحجر المرهقة لاقتصاد مرهق بالأساس، ولكن هذا لا يُعفي بأي حال من كون الإجراءات الطبية للتعامل مع المرض.

وفي جميع الأحوال نستنتج بأن التفاوت بين الإصابات والوفيات مقلق جدا، الأمر الذي يدعونا للتفكير بسياسات وإجراءات صحية تختلف أو أكثر ملاءمة من تلك التي تبنيناها في العام الماضي.

نرجو أن يكون عام 2021 عاما أفضل من حيث التعامل مع الجائحة التي تستمر، وبقسوة أكثر من حيث إمكانية العدوى، وكل عام والأردن بكل من فيه بألف خير ومحبة وسؤدد.

Wednesday, October 28, 2020

اقتصاديات البلطجة وغيرها 28 10 2020

قام الامن مشكورا قبل أيام بالقبض على عدد من فارضي الاتاوات من البلطجية بعد الجريمة النكراء التي هزت الشارع الاردني. تذكرني هذه الجرائم وغيرها ببحث اقتصادي هام نشر عام 1968 حول مسببات ارتكاب الجريمة لغاري بيكر الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد يذكر فيه الشروط  التي تحفز من الناحية الاقتصادية (وليس السيكولوجية وبافتراض أن مرتكب الجريمة شخص عقلاني)، اذكرها ادناه لفائدتها في درء وتقليل وقوع الجرائم بأنواعها وهي:

1-  سهولة ارتكاب الجريمة: كلما كان ارتكاب الجريمة سهلاً ولا يحتاج الى أدوات  وموارد حذقة أو ماهرة يصعب الوصول اليها تزداد امكانية ارتكاب الجريمة، ولدينا الكثير من الامثلة الشعبية التي تقول بمثل هذا، "المال السائب يعلم الحرامي على السرقة"، و"الحيط الواطي بعلم الحرامي على السرقة". لذا نجد ان الجريمة تنتشر في المناطق والمواقع التي تضعف فيها الرقابة او يسهل فيها الوصول الى الضحية.

2-  احتمالية القبض على مرتكب الجريمة: وتعني بصراحة "من أمن العقاب أساء الادب"، و" المصيبة ليس في ظلم الأشرار بل في صمت الاخيار"، فحين يعتقد اللص او الفاسد او البلطجي بضعف أو تدني امكانية اكتشاف الجريمة ومحاسبته عليها يكون حافزه أكبر لارتكابها.

3-  حجم الغنيمة: وتعني انه كلما كبرت المنفعة المتوقعة من ارتكاب الجريمة يكون لدى الجاني حافز اكبر على ارتكابها، "اذا أردت أن تسرق فاسرق جمل". وهنا يكون حجم المنفعة بالنسبة لدخل أو ثراء الجاني.

4-  شدة وقسوة العقاب في حال القبض على الجاني: مما يعني انه في حال القاء القبض على المجرم يجب ان يكون العقاب رادعاً ومانعاً للشخص وغيره من ارتكاب مثل هذه الجريمة، اي بما معناه " إذا تساهل شعب مشى إليه الشتات، للناس في العفو موت، وفي القصاص حياة".

اي ان الشخص، اذا كان عقلانيا (وقد لا يكون عقلانيا)، سيوازن بين هذه العناصر الاربعة قبل ارتكاب اي جريمة، لذا تقوم المجتمعات المتقدمة بتطبيق القانون على الجميع كما تجعل من ارتكاب الجريمة امرا غير سهل، وتغلظ العقوبات على مرتكبيها، وتحارب الفقر ومشاكله، وتمكن مجتمعاتها من التدريب والتعلم وتقدم لها فرص التشغيل والتوظيف لتقلل من حجم الغنيمة بالنسبة للدخل. لاحظ ان بحث البروفيسور بيكر لم يتكلم عن الاخلاق او الوازع الديني او الثقافي او الاسري، بل انه قدم نظريةً اقتصادية (التكلفة والمنفعة) بحتة في تحليل الجريمة.

من الممارسات الفضلى كان ما قام به لي كوان يو في سنغافورة من تغليظ للعقوبات وتشديد ممن المراقبة وتطبيق القانون بالمساواة على جميع السكان في سنغافورة مما جعلها بلداً نظيفاً وأمناً، كما نجد في ممارسة رودي جولياني حين شغل منصب محافظ مدينة نيويورك والتي كانت مرتعا للجريمة آنذاك فنظفها خلال بضع أعوام حين زاد من احتمالية القبض حتى على مرتكبي الجرائم الصغيرة كالرسم على الحائط وتشويه الاماكن العامة وعدم دفع ثمن تذكرة المترو النفقي وغلظ العقوبات عليها لجعلها مثالاً لما يمكن ان يحدث لمرتكبي الجرائم الكبيرة. وكلا المثالين دلائل على تطبيق الجهات المنظمة والرقابية في المجتمع لما اشار اليه "غاري بيكر". ويجب أن نتذكر مقولة مصطفى صدقي الرفاعي، "  وآفة هذه القوانين أنها لم تُسن لمنع الجريمة أن تقع، ولكن للعقاب عليها بعد وقوعها ".

طبعا، محاربة الجريمة يجب أن تكون عملية مستدامة ومستمرة...وللحديث ما له من معاني أتركها للقارئ يستنبطها حسبما يرى.  

Tuesday, October 20, 2020

الصناعة أم الخدمات كمحرك نمو 20/10/2020

 الصناعة أم الخدمات كمحرك نمو

هنالك حرب باردة في الأردن بين دعاة اعتماد الخدمات والتي تنتج 50% (بعد استثناء الخدمات الحكومية) من الناتج المحلي، وتوظف أكثر من نصف مليون عامل نظامي (وربما نصف مليون آخر غير منتظم)، ودعاة التوجه الى التركيز على الصناعة التي تنتج أقل من 20% من الناتج المحلي وتوظف حوالي مائتي ألف عامل منتظم. 

لذا يستمر الحوار في الأردن حول ماهية الاقتصاد، وهل يجب أن يكون خدمي أم صناعي، وهو حوار تنموي هام، وله ما له من مدلولات على التوجهات التنموية للبلد، ، فالسعي لتحقيق النمو الاقتصادي المستدام أو حتى التحاور فيه أصبح مؤخرا أكثر كثافة من أي وقت مضى، خاصة بالنسبة لبلد نامي مثل الأردن.

دعت الكثير من البلدان إلى تحويل استراتيجياتها الإنمائية من التصنيع إلى الخدمات كمحرك رئيسي للنمو في العقود الأخيرة، نظرًا لأن التقنيات الجديدة تسمح بشكل متزايد بإنتاج الخدمات والاتجار بها بشكل يضاهي أو يقارب التجارة بالسلع، كما أن بعض الاقتصاديون في العالم، ومنهم محليون، يقترحون أن الاقتصادات منخفضة الدخل يجب أن تتخطى كليا مرحلة التصنيع في رحلاتها التنموية كليا ً لتنتقل مباشرة من الزراعة التقليدية إلى "مُسارع النمو" الجديد وهو قطاع الخدمات.

لكن هذا لا يغير حقيقة أن التصنيع لا يزال يمثل أهمية قصوى كمدخل في السعي لتحقيق الازدهار الاقتصادي، وتفتح الثورة الرقمية فرصًا جديدة لتسريع الابتكار وتعزيز محتوى القيمة المضافة لمخرجات التصنيع.  فلقد أظهر تقرير حديث صادر عن منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية أن متوسط ​​نمو القيمة المضافة في التصنيع العالمي بلغ 3.1٪ سنويا بين عامي 1991 و 2018، وهو أعلى قليلاً من متوسط ​​معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي البالغ 2.8٪. ونتيجة لذلك، زادت مساهمة التصنيع في نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي من 15.2٪ في عام 1990 إلى 16.4٪ في عام 2018.

بالإضافة، فإن القيمة الحالية للتجارة العالمية في الخدمات لا تتعدى ثلث قيمة السلع المصنعة، على الرغم من أن الخدمات تمثل 75٪ من الناتج المحلي الإجمالي وتوظف 80٪ من العمالة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، كما أن الميزة النسبية للبلدان النامية هي في وجود العمالة منخفضة التكلفة. ولا ينبغي لهذه الدول ومنها الأردن السعي لتقليد استراتيجية النمو التي تقودها الخدمات الرائجة في الاقتصادات المتقدمة دون امتلاك قاعدة المهارات اللازمة للحفاظ عليها.

والادعاء بأن التصنيع سيخلق فرص عمل أقل مما كان عليه في الماضي لأن الروبوتات تحل محل العمالة البشرية بشكل متزايد لا يزال تخمينًا. فعلى الرغم من أن الأتمتة ستلغي عددًا كبيرًا من الوظائف وخاصة في مجالات التصنيع، فمن المحتمل أيضًا أن يخلق دخول الروبوتات سوق العمل صناعات ووظائف جديدة في أنشطة أكثر مهارة. وبمجرد التفكير في التأثيرات غير المباشرة على سلسلة القيمة المضافة، فإن الزيادة في مخزون الروبوتات المستخدمة في التصنيع العالمي قد لا تدمر فرص العمل بل تخلق فرص عمل جديدة.

ولا بد من التذكير بأن وضع الخدمات كمصدر رئيسي للنمو في العديد من البلدان النامية يعكس بشكل أساسي إخفاقات استراتيجيات التصنيع في هذه البلدان التي لم تتماشى مع المزايا النسبية لهذه الاقتصادات، أو لم تكن مستقرة بشكل كاف لإيجاد صناعات متقدمة، أو أنها ركزت على الأنشطة التصنيعية التقليدية بدلا من تحفيز الابتكار والابداع، أو أن البيروقراطية فيها وكثافة التنظيم بدلا من التحفيز والدعم خنق ما كان يمكن أن يكون.

 

من المؤكد أن خدمات الأعمال التجارية القابلة للتداول (بما في ذلك خدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والوساطة المالية والتأمين والخدمات المهنية والعلمية والتقنية والطبية) يمكن أن توفر فرصًا للتكامل العالمي القائم على الخدمات بسبب الاختلافات الكبيرة في الأجور بين البلدان. ولكن، لن يحدث هذا إلا عندما تقوم البلدان النامية بتحسين قاعدة رأس المال البشري لديها-وهي عملية طويلة الأجل وتتطلب جهود مؤسسية تنموية لا يستهان بها قد لا تكون متوفرة لبعض البلدان، وربما غالبيتها.

وإذا أراد الأردن مثلا التوجه مع ظهور تقنيات الإنتاج الرقمي المتقدمة بما في ذلك الروبوتات والذكاء الاصطناعي والتصنيع الإضافي وتحليلات البيانات التي تفتح إمكانيات جديدة في الخدمات مثل التطبيب عن بعد والروبوتات عن بعد، فلا بد من التذكير بأن هذه الأنشطة تتطلب أيضًا عمالًا ذوي مهارات عالية، ولسوء الحظ، تمنع أنظمة ونتائج التعليم في معظم البلدان النامية الكثير من القوى العاملة من التنافس بنجاح في مجال الخدمات. لذا، فإن الدعوة إلى أن الاقتصادات ذات رأس المال البشري الضعيف، خاصة تلك التي صدرت بدلا من أن تنمي وتوظف هذه الثروة هي وصفة لمزيد من اللامنهجية والفقر.

بالنسبة للبلدان الفقيرة، يظل التصنيع هو السبيل الرئيسي للتنمية الناجحة. باختصار، ينبغي للدول النامية أن تتجاهل التقارير التي تتحدث عن انقراض التصنيع كمفتاح للرخاء.

د. يوسف منصور

Sunday, May 10, 2020

Jordanian Economic Perspective وجهة نظر اقتصادية أردنية: الجائحة والركود الاقتصادي والأزمة المالية 10 5 202...

Jordanian Economic Perspective وجهة نظر اقتصادية أردنية: الجائحة والركود الاقتصادي والأزمة المالية 10 5 202...: من الواضح أن أزمة الجائحة وأزمة الانكماش الاقتصادي والأزمة المالية تعتمد على بعضها البعض وتتداخل بشكل ديناميكي. وكلما طالت فترات هذه...

الجائحة والركود الاقتصادي والأزمة المالية 10 5 2020



من الواضح أن أزمة الجائحة وأزمة الانكماش الاقتصادي والأزمة المالية تعتمد على بعضها البعض وتتداخل بشكل ديناميكي. وكلما طالت فترات هذه الأزمات وتعمقت  أعمق وأطول، كان تأثيرها مجتمعة أكثر ضررا. مما يعني وجوب تخفيف حدتها مجتمعة وليس واحدة على حساب الأخرى. وأشير هنا الى التوصيات التي وردت حسب دراسة لمعهد بروكنغز[1]، وهو مركز دراسات عالمي مرموق، مع توفيق لهذه التوصيات مع الوضع في الأردن.
تحصل الاختناقات الصحية عندما يتجاوز عدد المرضى عددا أكبر من قدرة النظام الصحي على التعامل معها، وحين تصاحب هذا الاختناق فترات ركود طويلة وممتدة تنجم أضرار دائمة وعميقة حسب نوع وطبيعة الانتاج في البلد والقطاعات الأكثر تضررا (كقطاعي السياحة والنقل وغيرها في الأردن)، فيؤدي طول فترة ضعف العرض والطلب (وخاصة في بلد كان يعاني من فترة ركود طويلة بالأساس) إلى ارتفاع البطالة الهيكلية (في 2019 كانت البطالة الكلية 19%، وجزء كبير منها هيكلي تجذر في الهيكل العام للاقتصاد)، وانخفاض المخزون من رأس المال بشكل دائم، وتراجع الريادية والرغبة في الاستثمار أو انشاء المؤسسات. وينجم عن تراجع السيولة ضائقة مالية تتأثر خلالها حتى الشركات المنتجة والاكثر مناعة فتصبح التكلفة المالية اللازمة لاحقا لإنقاذ الشركات باهظة الثمن، وصعبة التحقيق (يعني فات الفاس بالراس!!!). لذا، يجب العمل على تسوية المشكلات الثلاث معا: الجائحة، والركود، والمالية.
ولا يُخفى أن العمل المتزامن على جميع هذه الجبهات (الطبية والمالية) يتطلب موارد أكبر مما هو متوفر حاليا لدى الحكومة. كما يحتاج الأردن كغيره من البلدان النامية إلى استراتيجية واضحة لزيادة الموارد العامة والخاصة وبعجالة وتنسيق تام (يعمل البنك الدولي على إطار يمكّن الدول من وضع استراتيجيات تتناسب مع ظروفها: قدرة القطاع الصحي، والحيّز أو السعة المالية في موازناتها، وتحفيز القطاع المالي، والتوسع النقدي).
ومن هذا الباب، هناك حاجة إلى تنفيذ سريع ومتزامن ومتسق لأربع مجموعات من الأدوات لتسوية المنحنيات الثلاثة معا:
1.   الصحة والحماية الاجتماعية: وهي السياسات الحكومية ذات الأولوية، بدءًا من التوسع في الاختبار والعلاج للمصابين، وتعيين كوادر طبية جديدة، والتأكد من وجود غرف العناية الحثيثة واجهزة التنفس، وتوسيع المساعدة الاجتماعية وخاصة للعمالة التي توقفت عن العمل بسبب الجائحة، وتقديم التحويلات النقدية إلى الأسر المتضررة (وهي أكفأ بكثير من الطرود الغذائية، لأنها تمنح المتلقي الحرية والكفاءة في الانفاق وحسب احتياجاته الفردية وليس كما تقرره المجموعة).
2.   السياسة المالية: وتشمل تأجيل دفع الضرائب والرسوم، وخفض المساهمات الاجتماعية، وتقديم قروض منخفضة الفائدة للشركات، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق في الموازنة، وتمويل العجز المالي في الموازنة من خلال التوسع في الاقتراض أو الحصول على المعونات واعادة جدولة ديون الأردن. ويبرز هنا أهمية عودة الحيوية للاقتصاد، فكلما طالت فترة الحجر كلما تقلصت المساحة المالية لدى الحكومة على المناورة دون دعم خارجي. كما يجب تخفيض الضرائب وخاصة تلك المبنية على الفترة وليس العمل كضرائب المسقفات.
3.   السياسة النقدية: أشرت في مقالات سابقة الى أن السياسة النقدية هي خط الدفاع الأول لكي لا تتحول أزمة السيولة الى أزمة مالية (إفلاس وتعطل المنتجين)،  وأعتقد أن لدى البنك المركزي مساحة واسعة للتعامل مع الأزمة النقدية الناجمة عن الحجر من خلال تخفيض سعر الفائدة، ولا ننسى أن الفارق بين سعر الفائدة على القروض يصل الى 5% تقريبا من سعر الفائدة على الودائع، وهي نسبة مرتفعة عالميا، كما أن ما قام به من توفير سيولة إضافية للبنوك رغم عدم حاجتها للسيولة في هذه المرحلة كان إجراء محمود وضروري وسيكون أكثر كفاءة إن مررته البنوك بالكامل للمؤسسات الانتاجية والافراد وصاحبه الزام للبنوك لإعادة جدولة الديون وتمديد فترات السماح للافراد والشركات لتفادي التحول الى أزمة مالية.
4.   السياسات الصناعية والتجارية: تخفيض متطلبات رأس المال، ومتطلبات ورسوم تسجيل الشركات، والتقليل من معيقات الاستيراد والتصدير كالاجراءات والرسوم الجمركية. والنظر في أي تعليمات (الشحن، والعمالة، والتسجيل، وتنظيم العقارات، وغيرها)  تؤدي الى زيادة كلف الانتاج في زمان تراجع فيه العرض والطلب.
وتقوم الحكومة حاليا بممارسة الكثير مما أوردت، وهو التوجه الصحيح برأيي، وربما يحتاج للاعلان عن استراتيجية مفصلة وشفافة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الجائحة لا تنتهي بانخفاض عدد الاصابات، بل ستستمر طالما كان هنالك عمل. المطلوب تقليل اصاباتها من خلال التباعد الجسدي بين النشطاء وتمكين النظام الصحي للتعامل مع أي اصابات جديدة دون ايقاف النشاط الاقتصادي بل ودعمه بوتيرة لم يعتادها الأردن في السابق، وبتكامل وتظافر كافة مؤسسات الحوكمة فيه.  
 د. يوسف منصور


.

Tuesday, May 5, 2020

تحديات الاقتصاد بعد ازمة الكورونا 5 5 2020



تفاعل الاردن بشكل ممتاز من الناحية الصحية مع جائحة الكورونا، غير أن التحدي الأكبر سيكون كيفية العودة بالاقتصاد الى مرحلة التعافي أيضا. لذا، ادرج هنا بعض التحديات القادمة، وأرجو أن لا أكون متفائلا أو متشائما بل واقعيا، وأترك الحكم في هذا للقارىء.
الإنفاق العام على الأنظمة الصحية،  تُظهر أزمة COVID-19 وجوب تخصيص المزيد من الانفاق على الانظمة الصحية في الأردن، فلولا الحجر لبدى ضعف هذه الأنظمة واضحا كسلعة عامة وضرورية وقد يستفيد الأردن هنا من كونه شابا من الناحية الديموغرافية حيث ترتفع فيه نسبة الشباب.
الدين العام، ستزداد مديونية الحكومة، وهي مرتفعة أصلا، نتيجة الحجر والتوقف الاقتصادي وفترة التعافي الطويلة ما بعد العودة للعمل، فمن الواضح أن العديد من القطاعات لن تعود للعمل بشكل تام، وخاصة السياحة والنقل. وبما أن الحكومة تُحصّل 30% من الناتج المحلي الإجمالي على شكل ضرائب ورسوم فإن دخلها سينخفض بهذه النسبة مع تراجع الاقتصاد الكلي. واعتقد بأنه سيكون هنالك تراجع هذا العام يفوق غالبية التوقعات السائدة من المنظمات الدولية حيث أن التراجع سيعتمد على طول فترة الحجر، وسرعة عودة الاقتصاد ولا أعتقد أنه سيعود الى ما سبق بسرعة، بل أن الأثر سيتناقص على مدى عام أو أكثر، وسيعتمد على كون السياسة النقدية فاعلة وغير تقليدية بشكل كبير.
الدين الخاص والانتعاش الضعيف والبطالة، كما أن فقدان الدخل للعديد من الأسر والشركات يعني أن مستويات ديون القطاع الخاص قد تصبح غير مستدامة، مما قد يؤدي إلى حالات تخلف عن السداد وربما الإفلاس. وإلى جانب المستويات المرتفعة للدين العام، فإن هذا كله سيؤدي الى انتعاش ضعيف. وكما صرح وزير العمل اليوم فإن 406 منشأة ( يعمل فيها 9775 عامل) طلبت السماح لها بالتوقف عن العمل، لذا نتوقع ارتفاع ارقام البطالة من نسبتها الحالية والتي تفوق 19%.
تزايد مخاطر الركود العميق، وخاصة أن الاقتصاد الأردني دخل الأزمة  وهو في ركود طويل وعميق، وستخلق الأزمة وتبعاتها ركودًا إضافيا في مبيعات وانتاج السلع المعمرة وتلك التي تشكل جزء كبير من الدخل، كما ستتراجع مبيعات السلع الكمالية بشكل كبير، ولتفادي ذلك يجب على بائعي هذه السلع تقديم الخصومات، وسيصاحب ذلك ايضا جهود لخفض التكاليف من قبل أصحاب العمل خاصة اذا ما بقيت أسعار الطاقة مرتفعة والبيروقراطية واجراءاتها كما هي وكلفة الاقتراض على هيكليتها. اي أننا لتخفيض هذا الأثر يجب أن نخفف تكاليف الانتاج وخاصة مع انخفاض فاتورة النفط العام الماضي بنسبة 23% وانخفاضها بشكل أكبر كما هو متوقع لهذا العام.
الدينار سيظل بخير، فالاحتياطي من العملات الصعبة والذهب كبير وفي اعلى المستويات ويكفي لأكثر من سبعة شهور من الواردات، ومع انخفاض اسعار الواردات ومن ضمنها الطاقة سيغطي الاحتياطي أكثر من تسعة شهور.  وبما أن الأردن يُصدّر المواد الخام والكيماويات والملابس بالأساس فإن صادراته تغطي حوالي 40% من وارداته، فلا يوجد اي داع لتخفيض العملة لتحفيز الصادرات لأن حجم الصادرات أقل بكثير من الواردات. وعادة تخفض الدول المنتجة (كالصين مثلا) عملاتها لتحفيز الصادرات، أما في الأردن فإن التخفيض يضر بالاقتصاد كثيرا حيث يجعل الواردات أكثر غلاء بالنسبة للجميع ويزيد من حجم المديونية بالنسبة للدينار.
التضخم، لا خوف لدينا من التضخم، وهو ما تحاربه البنوك المركزية في الدول الكبرى وليس في الأردن حيث أن غالبية التضخم مستورد، كما أن التضخم في 2019 في الأردن كان 0.3% اي 3 بالألف نتيجة الركود وانخفاض أسعار الطاقة والسلع الاساسية التي نستوردها، لذا فإن أي ارتفاع في الاسعار، إن حصل، سيكون قليلا، وغير ذي أثر يذكر.
تسارع التحول الرقمي (الديجيتالي) مع الكورونا، وهو ما سيخلق فرص عمل جديدة، ولكنه سيؤدي أيضا إلى فقدان البعض لوظائفهم أو عملهم ويقلل من كسبهم، مما سيوسع الفجوات في الدخل والثروة، ويغير من سلاسل التوريد  ويتطلب تحولات استثمارية ورأسمالية ضخمة نسبيا، وهو أمر قد تستطيعه بشكل أفضل تلك الدول المتقدمة ومنخفضة تكاليف الانتاج ومنها التمويل، وستعاني منه الأسواق الأعلى تكلفة، وسيؤدي للضغط هبوطيًا على الأجور. وسيعاني من هذا التحول بشكل كبير العمالة الضيف المقيمة في الأردن واللاجئين وخاصة في القطاع غير المنظم.
عالميا، ستنحسر العولمة (وقد بدأت بذلك فعلا ادارة ترمب)  ويصبح التوجه اكثر نحو شيطنة الآخر، واعتماد سياسات حمائية أكثر لحماية الشركات والعمال المحليين من الاضطرابات العالمية والمنافسة داخل أسواقها، وفرض قيود أكثر صرامة على حركة السلع والخدمات ورأس المال والعمالة والتكنولوجيا والبيانات والمعلومات. ولقد ظهرت دلالات هذا التوجه واضحة في قطاعات الأدوية والمعدات الطبية والغذاء حيث تفرض الحكومات قيودًا على الصادرات وتدابير حمائية أخرى استجابة للأزمة. وقد ينجم عن شيطنة والقاء اللوم على الآخر مواجهة جيواستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين، وقد بدأ ذلك فعلا مع  مع القاء إدارة ترامب اللوم على الصين في هذا الوباء، وستدّعي الصين أن أمريكا تتآمر لمنع تفوق الصين اقتصاديا، مما سيزيد من حدة الانفصال الذي بدأ بينهما وربما المواجهة، خاصة مع قرب الانتخابات الامريكية وحاجة ترمب مثل أي دكتاتور لوجود عدو خارجي يكون شماعة يعلق عليها فشله في ادارة الأزمة.

د. يوسف منصور

Thursday, April 23, 2020

الخروج من الحجر الى الاقتصاد 23 4 2020


يتحكم، وربما لأول مرة في تاريخنا، القرار الصحي بالقرار الاقتصادي وكافة مناحيه. وهنا تكمن الصعوبة بالنسبة للفكر الاقتصادي التقليدي، فكيفية العودة بالاقتصاد الى الخروج من الحجر ومنع التجوال وتقييد الحركة سيعتمد بشكل كبير على القرار الصحي، ومتطلباته، فيجد الاقتصاديون أنفسهم أمام ظاهرة غريبة، وكأنهم أمام ما اسماه نسيم طالب ب "البجعة السوداء"، وهو ما يحدث حين تواجه ظاهرة تختلف تماما عن ما اعتدته، فتجد أن الادوات القديمة وتوصياتها أقل أهمية وكفاءة في التعامل مع الظاهرة مما يستوجب حلولا وانماطا جديدة.
ومن هذا المنطلق، أصف هنا مرتكزات أعتقد أن من اللازم اتخاذها من أجل العودة بالاقتصاد، ليس لما كان عليه، ولكن على الأقل الى وضع يقارب ما كان عليه قبل جائحة الكورونا.
1.   ايجاد ما يسمى بالارقام الحقيقية  Real Time للاصابات وليس ما هو مشاهدمن اصابات Observed Time فقط، وذلك اسوة بما فعلته سنغافورة وجنوب كوريا والصين. ويقوم بتحديد هذا علماء الامراض والاطباء والاحصاء والاقتصاد والسلوك البشري وشركات الاتصالات وشبكات التواصل الاجتماعي فيضعوا قاعدة بيانات حقيقية تبين الارقام الحقيقية وليس ما ظهر منها فقط. ويتم نشر هذه الارقام لكل منطقة على حدة مع الأخذ بخصوصياتها الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، أو ما يسمى Localization، وهو أمر هام في اتخاذ الاجراءات الوقائية لاحقا.
2.   إجراء فحص الدم لأكبر عدد ممكن من الناس لمعرفة مستوى المناعة لديهم، واذا ما كانوا قد اصيبوا بالمرض، وإمكانية اصابتهم بالمرض اذا تعرضوا له من قبل ناقل أو حامل للمرض. وهو اجراء طبي غير مكلف وينصح به العديدون من خبراء الأوبئة في العالم.
3.   التأكد من جاهزية الجهاز الطبي ومؤسساته من حيث عدد الأسرة وغرف العناية الحثيثة وأجهزة التنفس الاصطناعي، ويمكن حساب ذلك والسعي لتجهيزه، واستيراد ما هو غير متوفر من الصين مثلا. كما يمكن طباعة أجهزة تنفس من خلال الطباعة ثلاثية الأبعاد.
4.   الإعلان أن في حال وصول عدد حالات المرض الى عدد معين، سيتم فتح الاقتصاد والعودة للعمل ولكن بشروط تضمن التباعد الجسدي بين الناس، فالمرض لن يختفي حتى يكتشف اللقا؛ وهو أمر قد يستغرق شهور أو أكثر. الهدف من الاعلان هو اعطاء ساكني الأردن هدفا وبصيص أمل أو ضوء في نهاية النفق، مما يساعد على الامتثال، خاصة وإن طالت فترات الحجر. كما يعلن في ذات السياق أنه إذا وصل عدد الحالات الى مستوى معين سيعود قرار الحجر والاغلاق. ويفيد هذا أيضا في تحفيز أنماط التصرف البشري نحو الوقاية الذاتية.
5.   يتم الفتح للاقتصاد ليس بالضرورة من خلال فتح القطاع حسب الأهمية بل من خلال التأكيد على القدرة على تحمل عودة الانتشار، من تركيبة من ما يلي:
·       توفر العمالة ذات المناعة العالية للعمل في المصنع أو المصلحة التجارية
·       التعقيم والتباعد الجسدي في مكان العمل ووجود امكانية الحجر السريع في المرافق
·       خصوصية المنطقة التي يتم فيها الانتاج وصفاتها الديموغرافية ومدى التزاحم البشري فيها وأعمار السكان وتوفر الحجر الصحي السريع
·       خصوصية المنشأة وعمليات التصنيع في المنشأة من حيث المساحات وتباعد الآليات، فلى سبيل المثال: إن كان مطعم فيجب أن يكون فيه تباعد بين الطاولات وغيره.
·       التعرف على سلاسل العرض (الانتاج) المحددة للمنشآت، فمن غير المنطق ان يسمح بفتح منشأة من قبل المشرّع دون أن يتوفر لديها قنوات لاستقبال المدخلات أو بيع المنتجات، ويراعى فيها النقل والتخزين وغيره مما يؤثر في سلاسل العرض. أيضا، يجب الوقوف على سلسلة الانتاج داخل المصنع فلا تتوقف آلية دون أخرى فتتعطل كافة عملية الانتاج، مما يجعل قرار الفتح بلا أي فائدة واقعية.
·       أن يحاول المشرع تفادي القرارات التي ترفع من كلفة الانتاج بأي شكل من الأشكال، وخاصة للمؤسسات الصغيرة، فالاقتصاد قبل الكورونا كان يعاني من ارتفاع اسعار الطاقة والفوائد على الاقتراض وارتفاع الضرائب غير المباشرة وتعددها والبيروقراطية وضعف السوق المحلي مع انخفاض القدرة الشرائية وركود اقتصادي قبع بين ظهرانيه لعشر سنوات ولا يزال مستمر.
6.   وضع الرسائل التوجيهية والتوعوية في أماكن العمل والاستهلاك لاستمرار وتشجيع الاحساس بالمسؤلية الفردية نحو الذات والمجموعة وبالتالي تقوية الحافز لدى الفرد في الساتمرار بأنماط التباعد الجسدي عن الآخرين.
7.   توفير السيولة من مصادر التمويل الرسمية خلال الاغلاق، وحين بداية العودة للانتاج لفترة لا تقل عن ثلاثة شهور تقريبا، وخاصة لتلك المنشآت الصغيرة التي لا تتوفر لديها السيولة عادة.
8.   بما أن الجائحة (وباء معدي Epidemic عابر للدول) تعتبر ظرف قاهر Force Majeure حسب ادبيات وعقود المؤسسات الدولية، فيجب ايقاف أي دفعات للحكومة والبلديات (ضرائب مسقفات ورسوم بلدية وخلافه) ورسوم التسجيل لمن لم يعمل خلال فترة المنع، أو ما يسمى ب "ايقاف الساعة" وتأجيل وتقسيط الكلف المتحققة لاحقا دون غرامات تأخير ولفترات مريحة تمكن المؤسسات من التعافي. فالمشرع الذي يعتقد بأن المؤسسات في القطاع الخاص ستعود للعمل مباشرة وكأن شيئا لم يكن ربما لم يعمل أبدا في القطاع الخاص ويتعرف على محدداته من تراكم الفواتير والدفعات بعد حالة إغلاق طويلة الأمد.
9.   تفادي الإجراءات التي تحد من دخل المواطن والمؤسسات بأي شكل، لأنها ستقلل من الدخل المتاح للمواطن، وتضر بالطلب الكلي، فتؤدي الى تراجع الاقتصاد أكثر وإدخاله في دوامة غير حميدة تعمق من الآثار السالبة. وهنا يأتي دور الحكومة سواء من خلال الدعم أو السماح، فجائرة الكورونا خلقت دورة اقتصادية خاصة بها، قد تطول أو تقصر، وقد تعود ولاسباب لا علاقة لها بالاقتصاد ودورته المعتادة.
10.                  دخلت مؤسسات الاقتصاد الاردني (الحكومية والخاصة) في الجائحة بعد عشر سنوات من ركود اقتصادي حاد وطويل الأمد (دخل المواطن الحقيقي أقل مما كان عليه في عام 1987)، ولا يوجد كما هو معروف لدى السياسة المالية مجال واسع للمناورة كما في الدول النفطية أو تلك الصناعية التي يقوم اقتصادها على الانتاج والانتاجية أو تلك التي تملك صناديق سيادية استثمارة تستطيع اللجوء اليها. فمع حجم عجز الموازنة قبل الجائحة، والعجز الاضافي الناجم عن الحجر، وذلك المتحقق بعده نتيجة تباطؤ العودة للتعافي الاقتصادي التام، فإن دور السياسة النقدية يجب أن يكون رئيسي ونشط في توفير السيولة بأقل التكاليف وبمتطلبات أقل مما هو معهود. وربما على السياسة المالية أن تتجه للمقرضين الدوليين والمانحين كالصندوق والبنك الدوليين والصين وأمريكا وغيرها من شركاء الاردن التنمويين وطلب فترة سماح وقروض اضافية لتقوية العرض والطلب معا وليس اللجوء الى سياسة تقشف، وهو ما يتفق باعتقادي مع تفكير إدارة السياسة المالية الحالية والتي تحيط بجميع جوانب الاقتصاد وليس دخل ونفقات الحكومة قصيرة الأجل، وباتجاه يعاكس الدورة الاقتصادية فتقاوم الانخفاض في النشاط الاقتصادي بالانفاق، وهو ما ثبت نجاعته عالميا.
قد يكون هناك العديد من الفرص الايجابية الناجمة عن الجائحة، خاصة مع الخروج السريع من تبعاتها الاقتصادية، وعلى الادارات الحصيفة أن تجعل منها فرصا للابتكار واستثمارات مستدامة، وهذا يستحق حوار آخر، خاصة وأن الجائحة جعلت منا شركاء حقيقيين الآن.

د. يوسف منصور


Wednesday, April 1, 2020

الاقتصاد ولماذا يخرجون للشوارع...




يدمر فيروس الكورونا اقتصاد الدول تباعا، وأحيانا على شكل مجاميع، من خلال تحطيم سلاسل العرض، ونشر الخوف والقلق العام وأحيانا الرعب. كما يوزع أضراره على مناحي الاقتصاد المختلفة مركزا على قطاعات معينة في بادىء الأمر كتلك المتعلقة بالسياحة والضيافة وسبل النقل العامة لينتقل بسرعات متفاوتة الى كافة جوانب العرض والطلب في الاقتصاد. يتطلب هذا وضع سياسات اقتصادية سليمة تعتمد ليس فقط أدوات التحليل الاقتصادي التقليدية بل أدوات وتحاليل وتوصيات علوم أخرى كعلم النفس وعلم الاجتماع في عملية تكاملية محددة النهج والنتائج.
وتتخذ الحكومات والبنوك المركزية في أنحاء العالم الكثير من السياسات والإجراءات غير المسبوقة للتخفيف من حدة الانكماش العالمي والذي من المتوقع أن يصبح ركودا عالميا سيمس الاقتصاديات المتقدمة والنامية معا، وقد يقلب موازين القوى والريادة الاقتصادية في العالم. لذا، هناك الكثير من المقترحات (بل واجراءات في جنوب كوريا، والفلبين، واليابان، وبريطانيا، وغيرها) بالدعم النقدي والإقراض بدون فوائد، لحماية الشرائح الأضعف من السكان، وبقاء الشركات وحماية القطاعات الاقتصادية الاستراتيجية، ومساعدة تلك الأكثر تعرضا للضرر.
تقود هذه الجهود البنوك المركزية في العالم (السياسة النقدية هي خط الدفاع الأول في مواجهة الكورونا) لكي لا تتحول مشاكل السيولة الى مشاكل مالية تديم تقرحات الجائحة وتدمي الاقتصاد الذي أصبح بكامله مندمجا وبشكل سلبي في الأزمة. فالأدلة دامغة على انخفاضات هائلة في الاستهلاك والإنتاج عالميا، سواء كان ذلك داخل البلدان أو عبرها مع التوقف الاقتصادي المفاجىء للدورة الاقتصادية، فبغض النظر عن رغبة الانسان في الاستهلاك  أو الانتاج يجد نفسه غير قادر على ذلك بسبب التباعد الاجتماعي أو العزل الذاتي المطلوب لمواجهة تفشي المرض ومنعه من أن يصبح مأساة انسانية كبرى، كما حدث في الدول التي ترددت في التعامل معه بحزم في مراحله المبكرة.
الأولوية الفورية هي استجابة سياسة الصحة العامة التي تدعو إلى التباعد الاجتماعي، والعزلة الذاتية، وغيرها من التدابير التي لا تتوافق مع دورية وتواصل بُنى الاقتصاد الحديث. ونتيجة لذلك، يحدث انكماش سريع للنشاط الاقتصادي (وبالتالي الرفاهية الاقتصادية). وستعتمد مدة وعمق الركود القادم على مدى وسرعة نجاح السياسة الصحية والجهود المبذولة لتحديد واحتواء انتشار الفيروس، وعلاج المصابين، وتعزيز الحصانة.
وخلال التعامل مع الجائحة ومتطلبات الصحة العامة يستسلم معظمنا لدرجات متباينة من الخوف وعدم اليقين بل والشلل الفكري أو ردود فعل مفرطة. ويقابل البعض هذا الذعر أو الرعب بالمسخرة والتهكم، والبعض الآخر بالخوف والرعب. أما الرعب فهو الأقسى وطأ على نفسية الشخص، ويؤدي الى تصرفات غير حكيمة، كأن يخرج الناس الى الشوارع في تحد صارخ لمنع التجوال والعزل الفردي. وهي ظاهرة لا يعاني منها الأردن فقط، بل يعاني منها بنسب متفاوتة مجتمعات الدول كافة، خاصة تلك التي تمنح للفرد حرية التنقل دون مخافة العقاب.
ولمعرفة اسباب خروج الناس، رغم معرفتهم بأخطار المرض ( أصبح لدى الجميع تقريبا نوع من المعرفة بخطورة المرض وسبل انتشاره)، أذكر بعض هذه الاسباب حسب دراسات علماء النفس والاجتماع:
1.   تعوّد الناس في العقدين الماضيين وبعد سبتمبر 11 ، والحروب المحلية الكثيرة، والكوارث الطبعية، والهجمات الإرهابية الواسعة أن حياتهم يجب أن تستمر كالمعتاد. لذا أصبح من الطبيعي أن يستمر الشخص في تصرفاته رغم الخطر المحدق. وهو أمر يحتاج الى التوعية وارسال الرسائل المصاغة من قبل المختصين لتعريف الشخص بأن مثل هذا الظرف لم يعد قائما في ظل الجائحة التي تقتات وتنمو نتيجة الممارسات التي كانت تعتبر اعتيادية.
2.   أيضا، اصبح الاهتمام بالصحة الذاتية أمرا شخصيا، كممارسة الرياضة، وعمل الفحوصات، وتناول الفيتامينات، واتباع حمية صحية وغيرها من الممارسات الفردية. وهكذا، وفي غياب الجائحة، أصبح الفرد معنيا بصحته فقط، دون الاهتمام بصحة الآخرين، لعدم وجود الجائحة لفترة طويلة من الزمن في السابق. لذا، المطلوب مخاطبة هؤلاء بأن الوضع غير ذلك، وصحة الفرد في صحة المجموعة.
3.   أيضا، يعتقد البعض بأنهم أكثر مناعة من الآخرين، كونهم شباب أو يعتقدون بأنهم يتمتعون بمناعة عالية ولذلك لن يكونون عرضة للاصابة بالمرض، وهو ما يسميه علماء النفس بالتحيز التفاؤلي Optimism Bias، لذا نراهم يخالفون الاجراءات والقرارات، وهو أمر يجب مخاطبته، فالواضح أن الجميع عرضة لهذا المرض الذي تتطور معلوماتنا عنه  بشكل متسارع الآن.
4.   أيضا، يؤدي االرعب أو الذعر (وليس بالضرورة التخويف) الى تصرفات غير عقلانية، كالقاء الذات في التهلكة من خلال عدم الاستماع الى التحذيرات الهادفة لحماية الشخص من سلوكه، فيتصرف بعكس ما هو مطلوب لسلامته وسلامة المجتمع، وهو تصرف المذعور وليس ناجم عن "شجاعة متهورة" أو "رجولة".
لضبط الخروج الى الشوارع، يجب أن يعتمد الخطاب العام ورسائله (وأنا كغيري من الأردنيين معجب جدا بما يبثه وزير الصحة من رسائل مدروسة ولبقة تلقى الكثير من القبول مجتمعيا) ما توصل اليه العلم سواء من نظرية النكز Nudging Theory والمتبناة حاليا في علم الاقتصاد السلوكي الذي يستعير كثيرا من العلوم الأخرى ويتحدى العديد من النظريات الاقتصادية التقليدية أو من العلوم الأخرى.
ومن الضرورة أن يحتوي الخطاب العام ورسائله على عبارات تؤكد للشخص أن الخطورة قد لا تكمن في اصابته لاعتقاده بأنه غير معرض للاصابة (على الرغم من أن هذه خرافة غير مؤكدة يتحداها ما نعرفه بأن 38% من المصابين في أمريكا هم من فئات عمرية دون 55 عام) بل في نقلها الى أبيه وأمه وأخوانه وعائلته وعشيرته وأحبائه وأصدقائه. 
من المؤكد أن الجائحة سيكون لها آثار سالبة على رفاه المجتمع، لذا فإن اللحظة الحالية تتطلب انتهاج شعارات مثل "الحكومة تعمل بكامل مؤسساتها"، و"على الرغم من كل شيء سننجح" و"كلنا شركاء".
د. يوسف منصور

Wednesday, March 18, 2020

18 3 2020 اقتصاد الكورونا في الأردن



يواجه الأردن حاليا ظاهرة مرض فيروس الكورونا بكل رقي واهتمام من خلال اجراءات احترازية وتحوطية وتوفير غرف في فنادق خمس نجوم وأدوية للحجر الصحي قد تفوق امكانات هذا البلد المستدين الذي يعاني من تدني معدلات النمو الاقتصادي منذ 10 سنوات، وتراجع في المساعدات من قبل الدول الصديقة تقليديا في السنوات الأربع الماضية.
مرض الكورونا ليس أردني المنشأ او الخاصية كما يعلم الجميع الآن، ولا يميز جندريا أو حسب الدخل أو الاصل والمنبت. بل هو مرض معولم، فالعولمة التي نادى بها آدم سميث أبو علم الاقتصاد لا تخلق الأمراض ولكنها تساعد على انتشارها وعولمتها بسرعة وسهولة، وتجعل فيروس مثل الكورونا (وقبله مرض الأيدز) فيروسا عالميا ينتشر في كل بقاع الأرض وبسرعة ليصبح ظاهرة عالمية لا تخص دولة دون أخرى.
قامت الحكومة في الأردن بإغلاق المعابر إلا لمواطنيها الذين أحضرتهم مجانا، والحجر على قرابة خمسة آلاف حالة مشتبه بها في فنادق خمسة نجوم (في فنادق البحر الميت أولا ثم انتقلت لحجوزات في عمان) بتكاليف قد تفوق كلفة الفرد للاقامة والوجبات 100 دينار في الفندق (منامة لليلة الواحدة وثلاث وجبات يوميا)، وفحوصات (كلفة الفحص في القطاع الخاص للفرد 70 دينار) وأدوية ومستحضرات تعقيم مكلفة، وملابس خاصة لمقدمي العناية قد تفوق قيمة الواحدة منها 100 دينار، ونقل المحجورين مجانا، وغيرها.
كما اتخذت إجراءات تحاذي أفضل الممارسات العالمية من منع التجمعات وفرض قانون الدفاع، وتعطيل المدارس والجامعات ليصبح التعليم عن بعد، واغلاق المؤسسات غير الضرورية تماما لاستمرار الحياة، وتحفيز الحجر المنزلي لمنع الانتشار، وخرج المسؤلون بكل تواضع وثقة ورقي ليحثو الناس على ممارسات تقلل من انتشار المرض، وصرفت الرواتب قبل موعدها لتمكين المواطنين من الشراء لما يحتاجونه في فترة الحجر، والافراج عن المساجين غير الخطرين، وتأجيل دفع فواتير الكهرباء، وايجاد موقع بوزارة الصحة للاستفسار عن الحالات المؤكدة وتطوراتها لدرء الإشاعات، وغير ذلك من إجراءات قامت بها وزارة السياحة ومؤسسة الضمان الاجتماعي مشكورين لتيسير تعامل المواطنين مع الأزمة.
أيضا ومع أن السياسة النقدية لن تساعد حاليا (في وقت الأزمة) على رفع مستويات الطلب، ولكنها هامة في التقليل من تراجع الطلب كثيرا، وطمأنة المنتجين (جانب العرض) الذين يتعطلون نتيجة الحجر على قروضهم وقدرتهم على الحصول على تمويل، فلقد أطلق البنك المركزي (المسؤول عن السياسة النقدية) العديد من الاجراءات ومنها تقليل الاحتياطي الإلزامي لتمكين سيولة أكبر لدى البنوك، كما تركت أمر التنفيذ في بعضها للبنوك لتقرر بشكل أحادي مدى التطبيق.  
طبعا، وكما في كل حدث (سواء كان ايجابي أم سلبي كهذا المرض)، هنالك خاسرون ورابحون. من الخاسرين كل من يعمل في قطاع السياحة (شركات الطيران، المكاتب السياحية، الفنادق، المواصلات، محلات التحف، المطاعم، وكل ما يشمله عنقود منظوم السياحة في الأردن)، وهي ظاهرة عالمية. أيضا، تتراجع مبيعات ودخول قطاعات استيراد وتوزيع وبيع السلع والخدمات غير الضرورية (سلع الرفاه) كالملابس، والكهربائيات، والسلع مرتفعة القيمة بالنسبة للدخل كالسيارات، والآليات. وستتضرر البنوك أيضا، في حال قصور جماعي عن السداد وتراجع القدرة على الاقتراض مع تراجع المداخيل مقابل حاجتها للاقتراض وعلى البنوك التفكير في مثل هذا الأمر، فمن مصلحتها ارتفاع دخل المواطنين وازدياد تفاؤلهم بمستقبل أفضل لشراء العقار أو الاستثمار والتوسع. وسيقوم العقلانيون والقادرون من بائعي السلع غير الضرورية بتقديم عروض التنزيلات والخصوم لتحفيز الشراء، وإلا فستكسد بضائعهم وسيواجهون شح في التدفق النقدي لديهم.
ومن الخاسرين في سوق العمل، بالاضافة لمن يعمل في القطاعات المذكورة، عمالة القطاع غير المنظم (بلا عقود أو ضمانات أو حماية قانونية) خاصة وأن هذه الشريحة ليست صغيرة بأي معيار. سيتراجع دخل هذه الفئة طوال فترة الحجر وربما لمدة ليست بقصيرة بعد انتهاء الحجر.
أما الرابحون، فهم منتجو وموزعو وبائعو السلع الضرورية كالمواد الغذائية بكافة أنواعها وخدمات الهاتف والانترنت، وتلك التي يصبح استهلاكها أكثر ضرورة مع الفيروس، كالأدوية والفيتامينات، والمواد المُعقّمة، والمحارم الصحية، والكمامات وغيرها، حيث يقوم المواطنون بالقيام بعمليات شراء بهدف التحوط وتخزين القابل للحفظ منها.
الرابحون لن يبيعوا كميات أكبر فقط، بل سيقوم بعضهم برفع الأسعار كما هو ملاحظ الآن، وهو ما سيزيد من دخلهم ويضر بالاقتصاد خاصة إن طالت فترة الحجر، لذا لا بد من تفعيل الرقابة بشكل كفؤ لضمان عدم استغلال البعض.
هنالك دور كبير للقطاع الخاص يتمثل جزء منه في تقديم التبرعات من قبل القطاع الخاص، مؤسسات وأفراد ، لمساندة الحكومة في جهودها، ومستوى التبرعات من قبل مؤسسات القطاع الخاص مشكور، ولكن من الممكن أن تكون أكثر من مستواها الحالي بكثير بكثير. لم لا تقوم أحد المحطات المحلية ببث برنامج تليثون لجمع التبرعات (برنامج يتصل به الناس على الهواتف لتقديم التبرعات بكافة الأحجام، وتجمع نقوده لتستخدم في مكافحة المرض) ، كل يتبرع حسب قدراته (من دينار الى ملايين الدنانير). خاصة أن ضريبة الدخل ستخصم التبرعات من الدخل. الحكومة لن تستطيع تحمل التكاليف وحدها، خاصة وأن دخلها لا بد وأن يتراجع معدل النمو نتيجة التعطل، وسيزداد دين الحكومة بالارقام المطلقة وبالنسبة الى الناتج المحلي الاجمالي، فالحكومة تتحمل عشرات الملايين من الدنانير من التكاليف الإضافية، وربما ستفقد فوق مائة مليون من دخلها، ولكن ليس بضع مئات، نتيجة تراجع الدخل الناجم عن النشاط الاقتصادي، لذا سيكون من الممكن جدا التعامل مع ها التراجع وسد ثغرته، وازدياد نسبة الدين أمر مشروع في ظل جهود الحكومة الكفؤ لحماية أرواح الأردنيين.

بالمحصلة يجب التفاؤل بالمستقبل الاقتصادي الأفضل الذي سينجم عادة عن النجاح في التعامل مع تحد كبير، وعودة الثقة بالاقتصاد وقاياداته ومؤسساته.

كلنا شركاء، البارحة واليوم، وغدا...


 د. يوسف منصور