Thursday, April 23, 2020

الخروج من الحجر الى الاقتصاد 23 4 2020


يتحكم، وربما لأول مرة في تاريخنا، القرار الصحي بالقرار الاقتصادي وكافة مناحيه. وهنا تكمن الصعوبة بالنسبة للفكر الاقتصادي التقليدي، فكيفية العودة بالاقتصاد الى الخروج من الحجر ومنع التجوال وتقييد الحركة سيعتمد بشكل كبير على القرار الصحي، ومتطلباته، فيجد الاقتصاديون أنفسهم أمام ظاهرة غريبة، وكأنهم أمام ما اسماه نسيم طالب ب "البجعة السوداء"، وهو ما يحدث حين تواجه ظاهرة تختلف تماما عن ما اعتدته، فتجد أن الادوات القديمة وتوصياتها أقل أهمية وكفاءة في التعامل مع الظاهرة مما يستوجب حلولا وانماطا جديدة.
ومن هذا المنطلق، أصف هنا مرتكزات أعتقد أن من اللازم اتخاذها من أجل العودة بالاقتصاد، ليس لما كان عليه، ولكن على الأقل الى وضع يقارب ما كان عليه قبل جائحة الكورونا.
1.   ايجاد ما يسمى بالارقام الحقيقية  Real Time للاصابات وليس ما هو مشاهدمن اصابات Observed Time فقط، وذلك اسوة بما فعلته سنغافورة وجنوب كوريا والصين. ويقوم بتحديد هذا علماء الامراض والاطباء والاحصاء والاقتصاد والسلوك البشري وشركات الاتصالات وشبكات التواصل الاجتماعي فيضعوا قاعدة بيانات حقيقية تبين الارقام الحقيقية وليس ما ظهر منها فقط. ويتم نشر هذه الارقام لكل منطقة على حدة مع الأخذ بخصوصياتها الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، أو ما يسمى Localization، وهو أمر هام في اتخاذ الاجراءات الوقائية لاحقا.
2.   إجراء فحص الدم لأكبر عدد ممكن من الناس لمعرفة مستوى المناعة لديهم، واذا ما كانوا قد اصيبوا بالمرض، وإمكانية اصابتهم بالمرض اذا تعرضوا له من قبل ناقل أو حامل للمرض. وهو اجراء طبي غير مكلف وينصح به العديدون من خبراء الأوبئة في العالم.
3.   التأكد من جاهزية الجهاز الطبي ومؤسساته من حيث عدد الأسرة وغرف العناية الحثيثة وأجهزة التنفس الاصطناعي، ويمكن حساب ذلك والسعي لتجهيزه، واستيراد ما هو غير متوفر من الصين مثلا. كما يمكن طباعة أجهزة تنفس من خلال الطباعة ثلاثية الأبعاد.
4.   الإعلان أن في حال وصول عدد حالات المرض الى عدد معين، سيتم فتح الاقتصاد والعودة للعمل ولكن بشروط تضمن التباعد الجسدي بين الناس، فالمرض لن يختفي حتى يكتشف اللقا؛ وهو أمر قد يستغرق شهور أو أكثر. الهدف من الاعلان هو اعطاء ساكني الأردن هدفا وبصيص أمل أو ضوء في نهاية النفق، مما يساعد على الامتثال، خاصة وإن طالت فترات الحجر. كما يعلن في ذات السياق أنه إذا وصل عدد الحالات الى مستوى معين سيعود قرار الحجر والاغلاق. ويفيد هذا أيضا في تحفيز أنماط التصرف البشري نحو الوقاية الذاتية.
5.   يتم الفتح للاقتصاد ليس بالضرورة من خلال فتح القطاع حسب الأهمية بل من خلال التأكيد على القدرة على تحمل عودة الانتشار، من تركيبة من ما يلي:
·       توفر العمالة ذات المناعة العالية للعمل في المصنع أو المصلحة التجارية
·       التعقيم والتباعد الجسدي في مكان العمل ووجود امكانية الحجر السريع في المرافق
·       خصوصية المنطقة التي يتم فيها الانتاج وصفاتها الديموغرافية ومدى التزاحم البشري فيها وأعمار السكان وتوفر الحجر الصحي السريع
·       خصوصية المنشأة وعمليات التصنيع في المنشأة من حيث المساحات وتباعد الآليات، فلى سبيل المثال: إن كان مطعم فيجب أن يكون فيه تباعد بين الطاولات وغيره.
·       التعرف على سلاسل العرض (الانتاج) المحددة للمنشآت، فمن غير المنطق ان يسمح بفتح منشأة من قبل المشرّع دون أن يتوفر لديها قنوات لاستقبال المدخلات أو بيع المنتجات، ويراعى فيها النقل والتخزين وغيره مما يؤثر في سلاسل العرض. أيضا، يجب الوقوف على سلسلة الانتاج داخل المصنع فلا تتوقف آلية دون أخرى فتتعطل كافة عملية الانتاج، مما يجعل قرار الفتح بلا أي فائدة واقعية.
·       أن يحاول المشرع تفادي القرارات التي ترفع من كلفة الانتاج بأي شكل من الأشكال، وخاصة للمؤسسات الصغيرة، فالاقتصاد قبل الكورونا كان يعاني من ارتفاع اسعار الطاقة والفوائد على الاقتراض وارتفاع الضرائب غير المباشرة وتعددها والبيروقراطية وضعف السوق المحلي مع انخفاض القدرة الشرائية وركود اقتصادي قبع بين ظهرانيه لعشر سنوات ولا يزال مستمر.
6.   وضع الرسائل التوجيهية والتوعوية في أماكن العمل والاستهلاك لاستمرار وتشجيع الاحساس بالمسؤلية الفردية نحو الذات والمجموعة وبالتالي تقوية الحافز لدى الفرد في الساتمرار بأنماط التباعد الجسدي عن الآخرين.
7.   توفير السيولة من مصادر التمويل الرسمية خلال الاغلاق، وحين بداية العودة للانتاج لفترة لا تقل عن ثلاثة شهور تقريبا، وخاصة لتلك المنشآت الصغيرة التي لا تتوفر لديها السيولة عادة.
8.   بما أن الجائحة (وباء معدي Epidemic عابر للدول) تعتبر ظرف قاهر Force Majeure حسب ادبيات وعقود المؤسسات الدولية، فيجب ايقاف أي دفعات للحكومة والبلديات (ضرائب مسقفات ورسوم بلدية وخلافه) ورسوم التسجيل لمن لم يعمل خلال فترة المنع، أو ما يسمى ب "ايقاف الساعة" وتأجيل وتقسيط الكلف المتحققة لاحقا دون غرامات تأخير ولفترات مريحة تمكن المؤسسات من التعافي. فالمشرع الذي يعتقد بأن المؤسسات في القطاع الخاص ستعود للعمل مباشرة وكأن شيئا لم يكن ربما لم يعمل أبدا في القطاع الخاص ويتعرف على محدداته من تراكم الفواتير والدفعات بعد حالة إغلاق طويلة الأمد.
9.   تفادي الإجراءات التي تحد من دخل المواطن والمؤسسات بأي شكل، لأنها ستقلل من الدخل المتاح للمواطن، وتضر بالطلب الكلي، فتؤدي الى تراجع الاقتصاد أكثر وإدخاله في دوامة غير حميدة تعمق من الآثار السالبة. وهنا يأتي دور الحكومة سواء من خلال الدعم أو السماح، فجائرة الكورونا خلقت دورة اقتصادية خاصة بها، قد تطول أو تقصر، وقد تعود ولاسباب لا علاقة لها بالاقتصاد ودورته المعتادة.
10.                  دخلت مؤسسات الاقتصاد الاردني (الحكومية والخاصة) في الجائحة بعد عشر سنوات من ركود اقتصادي حاد وطويل الأمد (دخل المواطن الحقيقي أقل مما كان عليه في عام 1987)، ولا يوجد كما هو معروف لدى السياسة المالية مجال واسع للمناورة كما في الدول النفطية أو تلك الصناعية التي يقوم اقتصادها على الانتاج والانتاجية أو تلك التي تملك صناديق سيادية استثمارة تستطيع اللجوء اليها. فمع حجم عجز الموازنة قبل الجائحة، والعجز الاضافي الناجم عن الحجر، وذلك المتحقق بعده نتيجة تباطؤ العودة للتعافي الاقتصادي التام، فإن دور السياسة النقدية يجب أن يكون رئيسي ونشط في توفير السيولة بأقل التكاليف وبمتطلبات أقل مما هو معهود. وربما على السياسة المالية أن تتجه للمقرضين الدوليين والمانحين كالصندوق والبنك الدوليين والصين وأمريكا وغيرها من شركاء الاردن التنمويين وطلب فترة سماح وقروض اضافية لتقوية العرض والطلب معا وليس اللجوء الى سياسة تقشف، وهو ما يتفق باعتقادي مع تفكير إدارة السياسة المالية الحالية والتي تحيط بجميع جوانب الاقتصاد وليس دخل ونفقات الحكومة قصيرة الأجل، وباتجاه يعاكس الدورة الاقتصادية فتقاوم الانخفاض في النشاط الاقتصادي بالانفاق، وهو ما ثبت نجاعته عالميا.
قد يكون هناك العديد من الفرص الايجابية الناجمة عن الجائحة، خاصة مع الخروج السريع من تبعاتها الاقتصادية، وعلى الادارات الحصيفة أن تجعل منها فرصا للابتكار واستثمارات مستدامة، وهذا يستحق حوار آخر، خاصة وأن الجائحة جعلت منا شركاء حقيقيين الآن.

د. يوسف منصور


Wednesday, April 1, 2020

الاقتصاد ولماذا يخرجون للشوارع...




يدمر فيروس الكورونا اقتصاد الدول تباعا، وأحيانا على شكل مجاميع، من خلال تحطيم سلاسل العرض، ونشر الخوف والقلق العام وأحيانا الرعب. كما يوزع أضراره على مناحي الاقتصاد المختلفة مركزا على قطاعات معينة في بادىء الأمر كتلك المتعلقة بالسياحة والضيافة وسبل النقل العامة لينتقل بسرعات متفاوتة الى كافة جوانب العرض والطلب في الاقتصاد. يتطلب هذا وضع سياسات اقتصادية سليمة تعتمد ليس فقط أدوات التحليل الاقتصادي التقليدية بل أدوات وتحاليل وتوصيات علوم أخرى كعلم النفس وعلم الاجتماع في عملية تكاملية محددة النهج والنتائج.
وتتخذ الحكومات والبنوك المركزية في أنحاء العالم الكثير من السياسات والإجراءات غير المسبوقة للتخفيف من حدة الانكماش العالمي والذي من المتوقع أن يصبح ركودا عالميا سيمس الاقتصاديات المتقدمة والنامية معا، وقد يقلب موازين القوى والريادة الاقتصادية في العالم. لذا، هناك الكثير من المقترحات (بل واجراءات في جنوب كوريا، والفلبين، واليابان، وبريطانيا، وغيرها) بالدعم النقدي والإقراض بدون فوائد، لحماية الشرائح الأضعف من السكان، وبقاء الشركات وحماية القطاعات الاقتصادية الاستراتيجية، ومساعدة تلك الأكثر تعرضا للضرر.
تقود هذه الجهود البنوك المركزية في العالم (السياسة النقدية هي خط الدفاع الأول في مواجهة الكورونا) لكي لا تتحول مشاكل السيولة الى مشاكل مالية تديم تقرحات الجائحة وتدمي الاقتصاد الذي أصبح بكامله مندمجا وبشكل سلبي في الأزمة. فالأدلة دامغة على انخفاضات هائلة في الاستهلاك والإنتاج عالميا، سواء كان ذلك داخل البلدان أو عبرها مع التوقف الاقتصادي المفاجىء للدورة الاقتصادية، فبغض النظر عن رغبة الانسان في الاستهلاك  أو الانتاج يجد نفسه غير قادر على ذلك بسبب التباعد الاجتماعي أو العزل الذاتي المطلوب لمواجهة تفشي المرض ومنعه من أن يصبح مأساة انسانية كبرى، كما حدث في الدول التي ترددت في التعامل معه بحزم في مراحله المبكرة.
الأولوية الفورية هي استجابة سياسة الصحة العامة التي تدعو إلى التباعد الاجتماعي، والعزلة الذاتية، وغيرها من التدابير التي لا تتوافق مع دورية وتواصل بُنى الاقتصاد الحديث. ونتيجة لذلك، يحدث انكماش سريع للنشاط الاقتصادي (وبالتالي الرفاهية الاقتصادية). وستعتمد مدة وعمق الركود القادم على مدى وسرعة نجاح السياسة الصحية والجهود المبذولة لتحديد واحتواء انتشار الفيروس، وعلاج المصابين، وتعزيز الحصانة.
وخلال التعامل مع الجائحة ومتطلبات الصحة العامة يستسلم معظمنا لدرجات متباينة من الخوف وعدم اليقين بل والشلل الفكري أو ردود فعل مفرطة. ويقابل البعض هذا الذعر أو الرعب بالمسخرة والتهكم، والبعض الآخر بالخوف والرعب. أما الرعب فهو الأقسى وطأ على نفسية الشخص، ويؤدي الى تصرفات غير حكيمة، كأن يخرج الناس الى الشوارع في تحد صارخ لمنع التجوال والعزل الفردي. وهي ظاهرة لا يعاني منها الأردن فقط، بل يعاني منها بنسب متفاوتة مجتمعات الدول كافة، خاصة تلك التي تمنح للفرد حرية التنقل دون مخافة العقاب.
ولمعرفة اسباب خروج الناس، رغم معرفتهم بأخطار المرض ( أصبح لدى الجميع تقريبا نوع من المعرفة بخطورة المرض وسبل انتشاره)، أذكر بعض هذه الاسباب حسب دراسات علماء النفس والاجتماع:
1.   تعوّد الناس في العقدين الماضيين وبعد سبتمبر 11 ، والحروب المحلية الكثيرة، والكوارث الطبعية، والهجمات الإرهابية الواسعة أن حياتهم يجب أن تستمر كالمعتاد. لذا أصبح من الطبيعي أن يستمر الشخص في تصرفاته رغم الخطر المحدق. وهو أمر يحتاج الى التوعية وارسال الرسائل المصاغة من قبل المختصين لتعريف الشخص بأن مثل هذا الظرف لم يعد قائما في ظل الجائحة التي تقتات وتنمو نتيجة الممارسات التي كانت تعتبر اعتيادية.
2.   أيضا، اصبح الاهتمام بالصحة الذاتية أمرا شخصيا، كممارسة الرياضة، وعمل الفحوصات، وتناول الفيتامينات، واتباع حمية صحية وغيرها من الممارسات الفردية. وهكذا، وفي غياب الجائحة، أصبح الفرد معنيا بصحته فقط، دون الاهتمام بصحة الآخرين، لعدم وجود الجائحة لفترة طويلة من الزمن في السابق. لذا، المطلوب مخاطبة هؤلاء بأن الوضع غير ذلك، وصحة الفرد في صحة المجموعة.
3.   أيضا، يعتقد البعض بأنهم أكثر مناعة من الآخرين، كونهم شباب أو يعتقدون بأنهم يتمتعون بمناعة عالية ولذلك لن يكونون عرضة للاصابة بالمرض، وهو ما يسميه علماء النفس بالتحيز التفاؤلي Optimism Bias، لذا نراهم يخالفون الاجراءات والقرارات، وهو أمر يجب مخاطبته، فالواضح أن الجميع عرضة لهذا المرض الذي تتطور معلوماتنا عنه  بشكل متسارع الآن.
4.   أيضا، يؤدي االرعب أو الذعر (وليس بالضرورة التخويف) الى تصرفات غير عقلانية، كالقاء الذات في التهلكة من خلال عدم الاستماع الى التحذيرات الهادفة لحماية الشخص من سلوكه، فيتصرف بعكس ما هو مطلوب لسلامته وسلامة المجتمع، وهو تصرف المذعور وليس ناجم عن "شجاعة متهورة" أو "رجولة".
لضبط الخروج الى الشوارع، يجب أن يعتمد الخطاب العام ورسائله (وأنا كغيري من الأردنيين معجب جدا بما يبثه وزير الصحة من رسائل مدروسة ولبقة تلقى الكثير من القبول مجتمعيا) ما توصل اليه العلم سواء من نظرية النكز Nudging Theory والمتبناة حاليا في علم الاقتصاد السلوكي الذي يستعير كثيرا من العلوم الأخرى ويتحدى العديد من النظريات الاقتصادية التقليدية أو من العلوم الأخرى.
ومن الضرورة أن يحتوي الخطاب العام ورسائله على عبارات تؤكد للشخص أن الخطورة قد لا تكمن في اصابته لاعتقاده بأنه غير معرض للاصابة (على الرغم من أن هذه خرافة غير مؤكدة يتحداها ما نعرفه بأن 38% من المصابين في أمريكا هم من فئات عمرية دون 55 عام) بل في نقلها الى أبيه وأمه وأخوانه وعائلته وعشيرته وأحبائه وأصدقائه. 
من المؤكد أن الجائحة سيكون لها آثار سالبة على رفاه المجتمع، لذا فإن اللحظة الحالية تتطلب انتهاج شعارات مثل "الحكومة تعمل بكامل مؤسساتها"، و"على الرغم من كل شيء سننجح" و"كلنا شركاء".
د. يوسف منصور

Wednesday, March 18, 2020

18 3 2020 اقتصاد الكورونا في الأردن



يواجه الأردن حاليا ظاهرة مرض فيروس الكورونا بكل رقي واهتمام من خلال اجراءات احترازية وتحوطية وتوفير غرف في فنادق خمس نجوم وأدوية للحجر الصحي قد تفوق امكانات هذا البلد المستدين الذي يعاني من تدني معدلات النمو الاقتصادي منذ 10 سنوات، وتراجع في المساعدات من قبل الدول الصديقة تقليديا في السنوات الأربع الماضية.
مرض الكورونا ليس أردني المنشأ او الخاصية كما يعلم الجميع الآن، ولا يميز جندريا أو حسب الدخل أو الاصل والمنبت. بل هو مرض معولم، فالعولمة التي نادى بها آدم سميث أبو علم الاقتصاد لا تخلق الأمراض ولكنها تساعد على انتشارها وعولمتها بسرعة وسهولة، وتجعل فيروس مثل الكورونا (وقبله مرض الأيدز) فيروسا عالميا ينتشر في كل بقاع الأرض وبسرعة ليصبح ظاهرة عالمية لا تخص دولة دون أخرى.
قامت الحكومة في الأردن بإغلاق المعابر إلا لمواطنيها الذين أحضرتهم مجانا، والحجر على قرابة خمسة آلاف حالة مشتبه بها في فنادق خمسة نجوم (في فنادق البحر الميت أولا ثم انتقلت لحجوزات في عمان) بتكاليف قد تفوق كلفة الفرد للاقامة والوجبات 100 دينار في الفندق (منامة لليلة الواحدة وثلاث وجبات يوميا)، وفحوصات (كلفة الفحص في القطاع الخاص للفرد 70 دينار) وأدوية ومستحضرات تعقيم مكلفة، وملابس خاصة لمقدمي العناية قد تفوق قيمة الواحدة منها 100 دينار، ونقل المحجورين مجانا، وغيرها.
كما اتخذت إجراءات تحاذي أفضل الممارسات العالمية من منع التجمعات وفرض قانون الدفاع، وتعطيل المدارس والجامعات ليصبح التعليم عن بعد، واغلاق المؤسسات غير الضرورية تماما لاستمرار الحياة، وتحفيز الحجر المنزلي لمنع الانتشار، وخرج المسؤلون بكل تواضع وثقة ورقي ليحثو الناس على ممارسات تقلل من انتشار المرض، وصرفت الرواتب قبل موعدها لتمكين المواطنين من الشراء لما يحتاجونه في فترة الحجر، والافراج عن المساجين غير الخطرين، وتأجيل دفع فواتير الكهرباء، وايجاد موقع بوزارة الصحة للاستفسار عن الحالات المؤكدة وتطوراتها لدرء الإشاعات، وغير ذلك من إجراءات قامت بها وزارة السياحة ومؤسسة الضمان الاجتماعي مشكورين لتيسير تعامل المواطنين مع الأزمة.
أيضا ومع أن السياسة النقدية لن تساعد حاليا (في وقت الأزمة) على رفع مستويات الطلب، ولكنها هامة في التقليل من تراجع الطلب كثيرا، وطمأنة المنتجين (جانب العرض) الذين يتعطلون نتيجة الحجر على قروضهم وقدرتهم على الحصول على تمويل، فلقد أطلق البنك المركزي (المسؤول عن السياسة النقدية) العديد من الاجراءات ومنها تقليل الاحتياطي الإلزامي لتمكين سيولة أكبر لدى البنوك، كما تركت أمر التنفيذ في بعضها للبنوك لتقرر بشكل أحادي مدى التطبيق.  
طبعا، وكما في كل حدث (سواء كان ايجابي أم سلبي كهذا المرض)، هنالك خاسرون ورابحون. من الخاسرين كل من يعمل في قطاع السياحة (شركات الطيران، المكاتب السياحية، الفنادق، المواصلات، محلات التحف، المطاعم، وكل ما يشمله عنقود منظوم السياحة في الأردن)، وهي ظاهرة عالمية. أيضا، تتراجع مبيعات ودخول قطاعات استيراد وتوزيع وبيع السلع والخدمات غير الضرورية (سلع الرفاه) كالملابس، والكهربائيات، والسلع مرتفعة القيمة بالنسبة للدخل كالسيارات، والآليات. وستتضرر البنوك أيضا، في حال قصور جماعي عن السداد وتراجع القدرة على الاقتراض مع تراجع المداخيل مقابل حاجتها للاقتراض وعلى البنوك التفكير في مثل هذا الأمر، فمن مصلحتها ارتفاع دخل المواطنين وازدياد تفاؤلهم بمستقبل أفضل لشراء العقار أو الاستثمار والتوسع. وسيقوم العقلانيون والقادرون من بائعي السلع غير الضرورية بتقديم عروض التنزيلات والخصوم لتحفيز الشراء، وإلا فستكسد بضائعهم وسيواجهون شح في التدفق النقدي لديهم.
ومن الخاسرين في سوق العمل، بالاضافة لمن يعمل في القطاعات المذكورة، عمالة القطاع غير المنظم (بلا عقود أو ضمانات أو حماية قانونية) خاصة وأن هذه الشريحة ليست صغيرة بأي معيار. سيتراجع دخل هذه الفئة طوال فترة الحجر وربما لمدة ليست بقصيرة بعد انتهاء الحجر.
أما الرابحون، فهم منتجو وموزعو وبائعو السلع الضرورية كالمواد الغذائية بكافة أنواعها وخدمات الهاتف والانترنت، وتلك التي يصبح استهلاكها أكثر ضرورة مع الفيروس، كالأدوية والفيتامينات، والمواد المُعقّمة، والمحارم الصحية، والكمامات وغيرها، حيث يقوم المواطنون بالقيام بعمليات شراء بهدف التحوط وتخزين القابل للحفظ منها.
الرابحون لن يبيعوا كميات أكبر فقط، بل سيقوم بعضهم برفع الأسعار كما هو ملاحظ الآن، وهو ما سيزيد من دخلهم ويضر بالاقتصاد خاصة إن طالت فترة الحجر، لذا لا بد من تفعيل الرقابة بشكل كفؤ لضمان عدم استغلال البعض.
هنالك دور كبير للقطاع الخاص يتمثل جزء منه في تقديم التبرعات من قبل القطاع الخاص، مؤسسات وأفراد ، لمساندة الحكومة في جهودها، ومستوى التبرعات من قبل مؤسسات القطاع الخاص مشكور، ولكن من الممكن أن تكون أكثر من مستواها الحالي بكثير بكثير. لم لا تقوم أحد المحطات المحلية ببث برنامج تليثون لجمع التبرعات (برنامج يتصل به الناس على الهواتف لتقديم التبرعات بكافة الأحجام، وتجمع نقوده لتستخدم في مكافحة المرض) ، كل يتبرع حسب قدراته (من دينار الى ملايين الدنانير). خاصة أن ضريبة الدخل ستخصم التبرعات من الدخل. الحكومة لن تستطيع تحمل التكاليف وحدها، خاصة وأن دخلها لا بد وأن يتراجع معدل النمو نتيجة التعطل، وسيزداد دين الحكومة بالارقام المطلقة وبالنسبة الى الناتج المحلي الاجمالي، فالحكومة تتحمل عشرات الملايين من الدنانير من التكاليف الإضافية، وربما ستفقد فوق مائة مليون من دخلها، ولكن ليس بضع مئات، نتيجة تراجع الدخل الناجم عن النشاط الاقتصادي، لذا سيكون من الممكن جدا التعامل مع ها التراجع وسد ثغرته، وازدياد نسبة الدين أمر مشروع في ظل جهود الحكومة الكفؤ لحماية أرواح الأردنيين.

بالمحصلة يجب التفاؤل بالمستقبل الاقتصادي الأفضل الذي سينجم عادة عن النجاح في التعامل مع تحد كبير، وعودة الثقة بالاقتصاد وقاياداته ومؤسساته.

كلنا شركاء، البارحة واليوم، وغدا...


 د. يوسف منصور





Thursday, March 5, 2020

رسوم وعوائد اعادة التنظيم


5 3 2020

تحاول الحكومة النهوض بالاقتصاد من خلال الحزم الخمسة التي اطلقتها مؤخراً، وهو جهد مشكور. ولكن نجد في الوقت ذاته معيقات ومثبّطات لعملية التبادل الاقتصادي (الانتاجي والاستهلاكي) تقوم بها العديد من المؤسسات ومن بينها ممارسات بعض البلديات مما يؤدي الى تعطيل الجهد المبذول، وقد يكون أهمها برأيي ما يسمى "رسوم عوائد التنظيم" .
واعتقد ان المشكلة الكبيرة القائمة الآن (بالاضافة لمشكلة الطاقة التي ترفع من تكاليف الانتاج والاستهلاك أيضا وتحديات أخرى لا تتسع لها المساحة هنا)، والتي تقف امام تحريك عجلة النشاط الاقتصادي ويمكن التعامل معها بسهولة، هي ما تفرضه البلديات ومن ضمنها أمانة عمان من رسوم تغيير نوعية النشاط لارض او مبنى قائم.
حسب أفضل المبادىء والممارسات العالمية، تُفرض رسوم عوائد تغيير صفة الاستعمال بالتحديد عادة مقابل التكاليف الإضافية التي قد تتحملها البلدية نتيجة تغيير استخدام العقار، كأن يتحول استخدام مبنى سكني الى مكاتب او مطاعم قد تتطلب من البلدية توسعة الشوارع او زيادة الطاقة الاستيعابية لشبكات الصرف الصحي او شبكات المياه والكهرباء وغيره من التكاليف التي لا يجب ان يتحملها عامة الناس بل يتحملها المستفيد من تحول صبغة الاستخدام للعقار. فتحسب قيمة هذه التكاليف ويدفعها وبطيب خاطر مالك العقار مقابل تحسن قيمة عقاره، وهو أمر منطقي وعادل.
واذا لم تكن هناك تكاليف إضافية على البلدية، لا يوجد أي مبرر لفرض مثل هذه الرسوم، ويحولها الى ضريبة غير مبررة على النشاط الاقتصادي وترفع من كلفة الدخول الى السوق فتجعل منطقة تنظيم البلدية اقل جاذبية للنشاطات الاقتصادية. وقد يعتقد البعض أن فرضها واجب لأنها تحسن من قيمة العقار، وهو رأي يخالف الصواب لأن المنظّم (البلدية) ليس شريك في ملكية العقار، ورسومها من حيث المبدأ هي مقابل تكاليف خدمات تقدمها لتمكّن النشاط الاقتصادي، وإلا فستجتمع التجارة والإمارة معا، وهو مبدأ بعيد عن أسس الحوكمة الرشيدة.
وتقوم البلديات في الدول المتقدمة، إدراكا منها بأهمية تحفيز النشاط الاقتصادي في مناطقها، بإعفاء المستثمر من هذه الرسوم رغم تحملها لنفقات اضافية نتيجة تحول الاستخدام لتقلل من كلفة ممارسة النشاط الاقتصادي في محيطها وتشجيع الاستثمار في مناطقها فترتفع وتيرة التنمية وويزداد دخلها من تحسن مستوى دخل مواطنيها. لذا، تُخضع التنظيم وقراره ورسومه للعديد من العوامل ومنها المنفعة الاقتصادية الكلية.
اما التفكير الضيق والذي قادنا الى ما نحن عليه في الأردن، فهو ان شح موارد البلدية يؤدي بها الى جباية تدفقات سريعة على المدى القصير (كعوائد التنظيم) لتصبح هذه العوائد ضرائب على الانتاج بشتى انواعه، فيُفارقها النشاط الاقتصادي ويتضرر مواطنيها على المدى الطويل مقابل دخل قصير الأمد وقرارات غير بعيدة النظر. وقد تكون العجوزات المالية المتراكمة في البلديات المختلفة قد تكون هي السبب في عدم جعل رسوم تغيير صفة الاستعمال مرتفعة وغير متماشية مع متطلبات تنشيط السوق والاقتصاد، غير أن الخطأ لا يجب أن يكون الحل له خطأ آخر.
والسؤال الهام هو هل تم مراجعة رسوم اعادة التنظيم (تغيير صفة الاستخدام وغيرها) في ظل التراجع الاقتصادي الذي يعاني منه البلد من أكثر من 10 سنوات؟ وهل وضعت الحلول لذلك؟ 

   د. يوسف منصور

Wednesday, February 26, 2020

Jordanian Economic Perspective وجهة نظر اقتصادية أردنية: في تحسن الصادرات وتراجع المستوردات عام 2019

Jordanian Economic Perspective وجهة نظر اقتصادية أردنية: في تحسن الصادرات وتراجع المستوردات عام 2019: في تحسن الصادرات وتراجع المستوردات عام 2019 د. يوسف منصور تبين الارقام الصادرة من دائرة الاحصاءات العامة تحسن في الصادرات الوطنية وت...

في تحسن الصادرات وتراجع المستوردات عام 2019

في تحسن الصادرات وتراجع المستوردات عام 2019
د. يوسف منصور
تبين الارقام الصادرة من دائرة الاحصاءات العامة تحسن في الصادرات الوطنية وتراجع في المستوردات، مما يُعني تحسنٌ أيضاً في الناتج المحلي الاجمالي نتيجة لما يحصل في التجارة الخارجية، حيث ارتفعت نسبة الصادرات الوطنية الى الواردات الكلية من 32% في عام 2018 الى 36% في عام 2019. كما ارتفعت قيمة الصادرات الكلية (الوطنية+ المعاد تصديرها) من 38% في عام 2018 الى 43% في العام 2019، مما ينتج عنه تحسن في ميزان المدفوعات مع بقاء الاشياء الاخرى ثابتة (صافي الحوالات، القروض والفوائد، المساعدات، دخل السياحة والاستثمار الاجنبي المباشر وغير المباشر).
واذا نظرنا الى أسباب الارتفاع في الصادرات نجد أن مصادر الارتفاع أتت من ازدياد تصدير الملابس بقيمة 135 مليون دينار، يليه ارتفاع في الصادرات من المواد الكيماوية الاخرى بقيمة 51 مليون دينار، وأسمدة بقيمة 41 مليون دينار، وبوتاس خام بقيمة 35 مليون دينار، وارتفاع بسيط جداً بقيمة 3 مليون دينار من صادرات الفوسفات. وإذا جمعنا قيمة ما تصدره شركة البوتاس والشركات الحليفة لها من كيماويات وأسمدة فانه يبلغ 126 مليون دينار، فتكون الغالبية العظمى (99%) المسببة للتحسن في صادرات الاردن من الملابس وشركة البوتاس العربية وشركاتها الحليفة.
واذا تطرقنا الى الأهمية النسبية (نسبة الصادرات من البند الى الصادرات الوطنية) لبنود الصادرات فنجد أن صادرات الاردن من الملابس ارتفعت من 26% الى 27%، بينما راوح البوتاس الخام مكانه (8%) وتحسنت أهمية الاسمدة من (6% الى 7%)، وارتفعت نسبة المنتجات الكيماوية من (4% الى 5%). بينما تراجعت محضرات الصيدلة من (10% الى 9%) وتراجع الفوسفات من (6% الى 5%) ، كما تراجعت المواد الاخرى من (40% الى 39%).
الواضح من أن التحسن في الصادرات نجم عن تحسن في مبيعات الألبسة وشركة البوتاس والمؤسسات التابعة لها، مما يدل على أن غالبية ما نصدره من صناعات وطنية يعتمد على هذين البندين.
وبالنسبة للمستوردات، فلقد تراجعت مستوردات الاردن من النفط الخام ومشتقاته من 20% من قيمة المستوردات الكلية الى 16% وبقيمة 677 مليون دينار. كما تراجعت مستوردات الاردن من العربات والدراجات وأجزائها بقيمة 192 مليون دينار وبذلك تراجعت نسبتها من (8% الى 7%) من المستوردات. وهو تراجع كبير قد يكون سببه انتاج الغاز واستيراده كبديل للمشتقات الاخرى في توليد الطاقة وإغلاق العديد من منشأت الصناعات التحويلية والتراجع في الصناعات التحويلية الاخرى، والتي بدأت في التراجع منذ عام 2012 حين قامت الحكومة آنذاك برفع أسعار الطاقة. أيضا، تراجعت مستوردات الحديد بقيمة 71 مليون دينار مع المحافظة على نسبتها ب 4% من المستوردات (لأن القيمة الكلية للمستوردات تراجعت بذات النسبة تقريبا) على مدى العامين 2018-2019.
وارتفعت قيمة المستوردات من الآلات والأجهزة الكهربائية بقيمة 44 مليون دينار لترتفع نسبتها من (6% الى 7%). من الواضح أننا بحاجة الى تصنيع الآلات والأدوات الالية والعربات والكهربائيات ومواد اخرى كثيرة تشكل نصف المستوردات تقريباً.
وكما هو مبين في الشكل أدناه، حيث ارتفع معيار قياس انتاج الكهرباء بينما بدأ مقياس الانتاج الصناعي بالهبوط منذ عام 2012، مع بدء رفع أسعار الكهرباء ثم هبط بشكل كبير مع قرار إغلاق الحدود السورية والعراقية 2014-2015 كما في الشكل.



لابد من إعادة التفكير في الاستراتيجية غير المكتوبة حول أسعار الطاقة في الاردن والتي تقوم على فكر لا يمت للاقتصاد بصلة، فلقد أدى رفع أسعار الطاقة الى تراجع الاقتصاد بشكل ملحوظ وخلق ما يسمى ب"صدمة العرض" أدت الى انخفاض معدلات النمو وارتفاع معدلات البطالة.